هل عادت الحرب الأمريكية – الإيرانية؟ وهل سقطت المفاوضات تحت وقع الصواريخ؟

بقلم : د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي
———————-
تُشير الضربات الأمريكية الواسعة التي استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية إلى أن مرحلة التهدئة التي شهدتها المنطقة لم تكن سوى هدنة هشة، وأن أي حادث أمني كبير كان كفيلاً بإعادة إشعال المواجهة. وبحسب ما أعلنته واشنطن، جاءت هذه الضربات ردًا على الهجمات التي استهدفت سفنًا تجارية في مضيق هرمز، في عملية وُصفت بأنها الأقوى منذ أيام، وشملت أكثر من ثمانين هدفًا عسكريًا إيرانيًا.
هذا التطور يطرح سؤالًا جوهريًا: هل عادت الحرب الأمريكية – الإيرانية، أم أننا أمام جولة ضغط جديدة تسبق العودة إلى طاولة التفاوض؟
المؤشرات الحالية تدل على أن مسار المفاوضات تلقى ضربة قاسية، وأن الثقة بين الطرفين تراجعت بصورة كبيرة. غير أن التجارب السابقة تؤكد أن واشنطن وطهران كثيرًا ما تمزجان بين القوة العسكرية والاتصالات السياسية، لذلك فإن التصعيد لا يعني بالضرورة إقفال باب التفاوض نهائيًا، لكنه يجعل العودة إليه أكثر صعوبة وتعقيدًا.
الأخطر في المشهد ليس حجم الضربات بحد ذاته، بل احتمال توسع دائرة المواجهة. فإذا قررت إيران الرد باستهداف القواعد الأمريكية أو توسيع عملياتها في مضيق هرمز، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة استنزاف عسكري واقتصادي ستكون انعكاساتها عالمية، بدءًا من ارتفاع أسعار النفط، مرورًا باضطراب حركة التجارة الدولية، وصولًا إلى زيادة المخاطر الأمنية في الشرق الأوسط.
أما لبنان، فلا يستطيع أن يتعامل مع هذه التطورات وكأنها بعيدة عنه. فكل تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، سواء عبر الضغوط السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية. ومن هنا، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تحصين القرار الوطني وإبعاد لبنان عن سياسة المحاور، لأن أي انزلاق جديد قد يحمّل اللبنانيين أثمانًا لا قدرة لهم على تحملها.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحروب قد تبدأ بضربة محدودة، لكنها قد تتحول سريعًا إلى نزاع إقليمي واسع إذا غابت قنوات الاحتواء. ولذلك فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في وقف الانحدار نحو مواجهة أكبر، وإما أن يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تكون أكثر خطورة من كل ما شهدناه خلال الأشهر الماضية.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تبادل للضربات، بل إعادة رسم لموازين القوى في المنطقة. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط ليس من ربح الجولة الأولى، بل من يستطيع منع الجولة الأخيرة.

هل أصبح لبنان أمام مهلة دولية لحسم خياراته؟
قد لا تكون الضغوط التي يتعرض لها لبنان اليوم مجرد نتيجة للأزمة الداخلية، بل قد تكون أيضاً جزءاً من مرحلة إقليمية تسعى فيها القوى الدولية والإقليمية إلى تثبيت ترتيبات جديدة في الشرق الأوسط بعد سنوات من الحروب والصراعات.
من الواضح أن المجتمع الدولي يولي اهتماماً متزايداً باستقرار الجنوب اللبناني، وبمستقبل الترتيبات الأمنية، وبقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها. أما ما إذا كانت هذه التحركات تشكل جزءاً من مشروع أشمل لإعادة صياغة النظام الإقليمي، فهو يبقى محل نقاش وتحليل، ولا يمكن الجزم به قبل اتضاح نتائج التطورات
الجارية.
لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الوقت لم يعد يعمل لمصلحة الدول التي تؤجل قراراتها المصيرية. فالشرق الأوسط يتحرك بسرعة، والتحالفات يعاد ترتيبها، والمصالح يعاد تعريفها، والدول التي لا تمتلك رؤية واضحة قد تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع وقائع لم تشارك
في صنعها.
ولبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية، يقف اليوم أمام مفترق تاريخي. فإما أن ينجح في إنتاج مشروع وطني جامع، يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها ويحصّن سيادتها، وإما أن يبقى ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين، فتُتخذ القرارات المتعلقة بمستقبله خارج حدوده.
إن أخطر ما قد يواجهه لبنان ليس الحرب وحدها، بل أن يدخل مرحلة ما بعد هذه التحولات من دون رؤية وطنية موحدة، فيجد نفسه أمام نظام إقليمي جديد لم يشارك في رسمه، لكنه سيكون مضطراً للتعامل مع نتائجه.
لقد علّمنا التاريخ أن الخرائط لا تتغير فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضاً بالمفاوضات، والاقتصاد، والتوازنات الدولية، والقدرة على استثمار اللحظات المفصلية.
وربما يكون السؤال الذي يجب أن يطرحه كل لبناني اليوم ليس إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ بل أين سيكون موقع لبنان عندما تستقر موازين القوى الجديدة؟
فالأوطان التي تستشرف المستقبل وتصنع خياراتها بنفسها، تكون أكثر قدرة على حماية سيادتها. أما الأوطان التي تنتظر حتى تُفرض عليها الوقائع، فإنها غالباً ما تدفع أثماناً أكبر مما كانت تتوقع.
إن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، لكن مستقبل لبنان لن تحدده إرادة الخارج وحدها، بل أيضاً قدرة اللبنانيين على بناء دولة عادلة، قوية، ذات قرار سيادي مستقل، تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فهذه هي الضمانة الحقيقية لأي وطن، مهما تبدلت الخرائط وتغيرت موازين القوى.