في الشرق الأوسط لا تُقاس المسافات بعدد الكيلومترات.. بل بعدد الساعات التي تفصل المنطقة عن الانفجار.

بقلم : خالد رويحة

المشهد لم يعد مجرد مفاوضات تُدار خلف الطاولات.
هناك شيء أكبر يتحرك تحت السطح، شيء يشبه إعادة ترتيب حقل الألغام قبل لحظة الضغط الأخيرة.

واشنطن تتحدث عن “فرصة أخيرة”..
وطهران تتحدث بلغة الاستعداد الكامل.
أما المنطقة كلها فتبدو وكأنها تحبس أنفاسها فوق برميل بارود مفتوح من الخليج حتى المتوسط.

في الأيام الأخيرة، تكثفت حركة الوسطاء بشكل لافت.
طائرات دبلوماسية تهبط في طهران، ورسائل عاجلة تتحرك بين العواصم، ومحاولات لدفع المفاوضات نحو صيغة تمنع الانفجار الكبير ولو مؤقتاً.

لكن في المقابل، لا تبدو لغة الميدان مطمئنة أبداً.
الحديث الأمريكي عن “خيارات قاسية” لم يأتِ من فراغ، والرد الإيراني كان أوضح من أن يُفسَّر كرسالة دبلوماسية عابرة.

المنطقة الآن أمام معادلة خطيرة:
كل طرف يتحدث عن السلام وهو يجهّز احتمالات الحرب في الوقت نفسه.

وهنا يبدأ الجزء الأكثر تعقيداً في المشهد.

التسريبات التي تتحدث عن خلافات بين ترامب ونتنياهو تبدو في ظاهرها وكأنها تصدع داخل المعسكر الواحد، لكن قراءة التاريخ العسكري تقول شيئاً آخر.
قبل الضربات الكبرى، كثيراً ما تُستخدم الفوضى الإعلامية كوسيلة لتضليل الخصم وإرباك تقديراته.

إظهار الانقسام أحياناً ليس علامة ضعف..
بل جزء من هندسة الخداع الاستراتيجي.

ولهذا لم تعد المشكلة في التصريحات نفسها، بل في ما يُبنى خلفها بصمت.

وفي زاوية أخرى من المشهد، كانت البحار تغلي بدورها.

أسطول الصمود الذي حمل ناشطين من عشرات الدول، تحوّل من تحرك إنساني إلى أزمة سياسية ودبلوماسية مفتوحة، بعدما انتهى الأمر باقتحام السفن واحتجاز المئات من الناشطين.

الصورة التي انتشرت للناشطين وهم مقيدون أثارت عاصفة غضب في العواصم الأوروبية، ودفعت عدة دول لاستدعاء السفراء وإطلاق بيانات حادة، في مشهد كشف حجم التوتر المتصاعد بين أوروبا وتل أبيب.

لكن اللافت أكثر من ردود الفعل الدولية، كان ذلك الصمت العربي الثقيل، وكأن المشهد يحدث في مكان بعيد لا يمس أحداً.

وفي الخلفية، بينما العالم منشغل بخرائط الحرب والسياسة، ظهر تهديد آخر يتحرك بصمت أشد خطورة.

منظمة الصحة العالمية أعلنت حالة الطوارئ بعد انتشار سلالة جديدة من إيبولا، وسط مخاوف من تمددها عبر مسارات الهجرة والحدود المفتوحة.

الأرقام ترتفع بسرعة.
والقلق لا يتعلق فقط بالفيروس نفسه، بل بقدرة العالم على احتواء موجة جديدة في منطقة تعيش أصلاً فوق شبكة أزمات متشابكة.

وهكذا يبدو المشهد كاملاً:
مفاوضات لا تثق بها الأطراف نفسها.
بحار مشتعلة سياسياً.
استنفار عسكري يتوسع بصمت.
وأوبئة تتحرك في الخلفية كأن العالم ينقصه كابوس إضافي.

في هذه المنطقة، لا شيء يتحرك منفصلاً عن الآخر.
النفط مرتبط بالصواريخ.
الممرات البحرية مرتبطة بالاقتصاد العالمي.
وحتى الطوارئ الصحية تتحول بسرعة إلى ملف أمني واستراتيجي.

لهذا تبدو الأيام القادمة أخطر من مجرد جولة تصعيد عابرة.
نحن أمام مرحلة تختلط فيها الحرب النفسية بالميدان، والدبلوماسية بالاستنزاف، والخداع الإعلامي بإعادة رسم خرائط النفوذ.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يطارد الجميع بصمت:
هل ما يجري هو محاولة أخيرة لمنع الحرب..
أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة العد التنازلي قبل الانفجار الأكبر؟

𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶

https://t.me/khaledrowiha

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى