ردٌّ على خطاب المؤامرات… وعلى من يختصر العالم في رواية واحدة

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
أفهم تمامًا غضبَ كثيرين من السياسات الغربية، وأتفهّم وجع الفلسطيني الذي خسر أرضه وبيته وكرامته، وأتفهّم أيضًا غضب الشعوب التي شعرت أنّ أوطانها تحوّلت إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الدولية.
لكنّني، في المقابل، أرفض أن نواجه الظلم بظلمٍ آخر، أو أن نردّ على التلاعب السياسي بخطابٍ يقوم على التعميم والكراهية ونظريات المؤامرة.
حين يتحوّل النقاش السياسي إلى اتهام جماعاتٍ دينية أو شعوبٍ كاملة بالسيطرة على العالم، فنحن لا نبني وعيًا… بل نبني حقدًا جديدًا.
وحين نستخدم تعابير من نوع “يهود مزيفون” أو نختصر ملايين البشر بهويةٍ واحدة، فنحن لا نخدم القضية الفلسطينية، بل نمنح المتطرّفين فرصةً لتحويل الصراع من قضية حقٍّ وأرضٍ وإنسان، إلى صراع كراهية وهويات.
نعم، بريطانيا ارتكبت أخطاء تاريخية كبيرة في المنطقة.
ونعم، القوى الكبرى لعبت بمصائر شعوبنا لعقود.
ونعم، هناك دول استغلّت الانقسامات والحروب لتحقيق مصالحها.
لكن هل الحلّ أن نستبدل التفكير العقلاني بخطابٍ يُشبه الخطب التعبوية التي دمّرت مجتمعاتٍ كاملة؟
مشكلتنا الحقيقية ليست فقط في الخارج… بل أيضًا في الداخل.
في أنظمتنا الفاسدة، وفي زعمائنا الذين باعوا شعوبهم، وفي جماهير تحوّلت أحيانًا إلى أدوات تصفيق بدل أن تكون قوّة مساءلة ومحاسبة.
الشرق الأوسط لم يُدمَّر فقط بالمؤامرات الخارجية، بل أيضًا بثقافة التخوين، والتقديس الأعمى، وتحويل كلّ من يختلف معنا إلى عميل أو عدوّ أو خائن.
أنا مع فلسطين… لكن ضدّ الكراهية.
أنا ضدّ الاحتلال… لكن أيضًا ضدّ تحويل السياسة إلى خطابٍ عنصري أو ديني متطرّف.
أنا مع كشف المصالح الدولية… لكن ضدّ اختصار العالم كلّه بنظرية مؤامرة واحدة.
القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختصر بخطاباتٍ انفعالية، وأقدس من أن تُستخدم لإشعال الكراهية بين الشعوب والأديان.
ففلسطين لم تكن يومًا قضية المسلمين وحدهم، ولا المسيحيين وحدهم، ولا اليهود وحدهم… بل قضية إنسانٍ حُرم من أرضه وحقّه وحياته.
وإذا أردنا فعلًا إنقاذ أوطاننا، فعلينا أن نواجه الحقيقة بشجاعة:
لن يبني مستقبلنا لا ترامب، ولا بريطانيا، ولا إيران، ولا أيّ محورٍ في العالم.
الذي سيبني هذا المستقبل هو الإنسان الحرّ، الواعي، القادر على التفكير خارج القطيع، وخارج الخوف، وخارج تجارة الأحقاد.