أيُّ سلامٍ يُبنى فوق الدم؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
ليس كلُّ مَن يرفع كلمة “سلام” يحمل مشروع سلامٍ حقيقي.
فهناك فرقٌ كبير بين سلامٍ يقوم على العدالة والكرامة والسيادة، وبين استسلامٍ يُراد تسويقه للناس تحت عناوين براقة فيما الدم ما زال ينزف، والاحتلال ما زال قائماً، والتهديدات ما زالت تُطلق علناً.

كيف يُطلب من شعبٍ عاش الحروب والاعتداءات والاحتلال أن يتعامل مع القضية وكأنّها مجرّد خلاف سياسي عابر؟
كيف يُطلب من أمّ فقدت ابنها، أو من طفلٍ عاش القصف والنزوح، أن يقتنع بأنّ المطلوب منه فقط أن “يطوي الصفحة” بينما لا تزال النار مشتعلة؟
إنّ أخطر ما في بعض الخطابات السياسية اليوم أنّها تحاول اختصار الكرامة الوطنية بكلمة “واقعية”، وكأنّ الواقعية تعني التخلي عن الحقوق، أو القبول بالخوف، أو التسليم بأنّ القويّ يستطيع فرض ما يريد بالقوة العسكرية والضغوط الدولية.
السلام الحقيقي لا يُفرض على الشعوب بالقصف، ولا يُكتب تحت التهديد، ولا يولد فيما المدنيون يسقطون كل يوم.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر الإنسان أنّ حقّه محفوظ، وأنّ أرضه ليست مشروعاً للتفاوض الدائم، وأنّ سيادة وطنه ليست ورقة مساومة.
أما تحويل الناس إلى متّهمين فقط لأنّهم يرفضون التطبيع أو يرفضون الاستسلام للأمر الواقع، فهو محاولة لإسكات الألم لا لمعالجة أسبابه.
فالذاكرة لا تُمحى بالتعب، والحقوق لا تسقط لأنّ العالم قرر أن يتعب من سماعها.
ومن حقّ أي شعب أن يسأل:
كيف يمكن الحديث عن مستقبلٍ آمن فيما التهديدات مستمرة، والتوسع والاستيطان والاعتداءات لم تتوقف، والمنطقة بأكملها تعيش على حافة الانفجار؟
إنّ الشعوب لا ترفض السلام لأنها تعشق الحرب، بل لأنها تخشى أن يتحوّل “السلام الموعود” إلى غطاءٍ دائم للهيمنة والخضوع وفقدان الكرامة الوطنية.
وفي ظلّ ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني، حيث يعيش الناس تحت القصف والخوف وسقوط الضحايا، يصبح الحديث عن “الاستسلام” بالنسبة لكثيرين وكأنّه مطالبة للناس بأن ينسوا دماءهم ووجعهم وتاريخهم دفعةً واحدة.
وهل سمعتم ما حصل اليوم في الجنوب؟
هل سمعتم أصوات الغارات التي هزّت القرى؟
هل شاهدتم البيوت التي تحوّلت إلى ركام، والعائلات التي ركضت تحت النار، والأطفال الذين ناموا على الخوف بدل الأمان؟
التقارير الواردة اليوم تحدثت عن قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال، نتيجة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات في الجنوب اللبناني، وسط استمرار التصعيد رغم كل الحديث عن “التهدئة” و”المفاوضات”.
فأيُّ سلامٍ هذا الذي يُكتب بينما الناس تُدفن تحت الركام؟
وأيُّ طمأنينة يمكن أن يشعر بها شعبٌ يعيش كل يوم على احتمال غارة أو قصف أو نزوح جديد؟
إنّ الجنوب ليس مجرد عنوانٍ في نشرة أخبار، بل أرضٌ يعيش عليها بشرٌ لهم أحلام وذكريات وحقّ بالحياة.
ومن يجلس بعيداً خلف المكاتب ليتحدث عن “الواقعية السياسية”، عليه أولاً أن يسمع صراخ الأمهات، وأن يرى حجم الدمار، وأن يفهم أنّ الشعوب لا تُقاس فقط بلغة التوازنات الدولية، بل أيضاً بكرامتها وحقّها بالأمان.
نصيحتي… لا تُخطِئ يا فخامةَ الرئيس.
لأنّ الخطأ اليوم لا يشبه أخطاء الأمس،
ولأنّ لبنان لم يعد يحتمل رهاناتٍ جديدة فوق تعب الناس ودمائهم وانهيارهم.
لا تُخطِئ حين يطلب منك البعض أن ترى الخوف حكمة،
وأن ترى التنازل “واقعية”،
وأن تُقنع شعباً جريحاً بأنّ الصمت خلاص.
لا تُخطِئ في قراءة وجع الجنوب،
ولا في فهم غضب الناس الذين يعيشون بين القصف والقلق والانتظار،
فهؤلاء لا يريدون خطاباتٍ خشبيّة، بل يريدون دولةً تشعر بهم وتحمي كرامتهم.
لا تُخطِئ حين تظنّ أنّ الضغط الخارجي يصنع استقراراً دائماً، فالاستقرار الذي يُبنى على خوف الناس أو على تجاهل كرامتهم، يبقى هشّاً وقابلاً للانفجار في أيّ لحظة.
فخامة الرئيس،
التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى.
وفي لحظات المصير، لا يُسأل الحاكم كم كان هادئاً،
بل يُسأل: هل حمى وطنه؟ هل حفظ كرامة شعبه؟ وهل وقف في اللحظة الصعبة حيث كان يجب أن يقف؟
لبنان لا يحتاج رئيساً يدير الأزمة فقط،بل رئيساً يعرف أنّ الوطن لا يُحمى بالبيانات وحدها، ولا بالصمت الطويل، بل بموقفٍ يشعر الناس أنّ هناك دولة ما زالت تقف إلى جانبهم.
وأملُ الشعب اللبناني معقودٌ عليك يا فخامة الرئيس.
فكما فرح الناس يوم تولّيتَ المسؤولية، لا تُخيّب آمالهم، ولا تسمح لمن خذلوا الوطن مراراً أن يدفعوا البلاد نحو مزيدٍ من الانقسام أو الضعف أو التنازل..