هنا تُفكك الرواية.. وهنا يُعاد تركيب الحقيقة.

✍🏻 خالد رويحة |
𝒦𝒽𝒶𝓁𝒾𝒹 𝑅𝑜𝓊𝒾𝒽𝒶
في زمنٍ أصبحت فيه الأرض تُدار من خلف الشاشات السوداء وغرف الاستخبارات المعتمة، لم تعد الأحداث تتحرك كوقائع منفصلة، بل كسلسلة انفجارات مترابطة تعيد تشكيل العالم على وقع الخوف والمصالح والنار.
في اليمن، لم يكن الحديث هذه المرة عن هدنة حقيقية ولا عن نهاية حرب، بل عن مفاوضات شاقة امتدت خمسة عشر أسبوعاً داخل الأردن، انتهت بالتوقيع على أكبر صفقة تبادل أسرى منذ سنوات. 1600 أسير أسماؤهم تدور الآن بين الطاولات واللوائح والضمانات، 1100 تابعين لصنعاء، و580 للطرف الآخر، إضافة إلى سعوديين وسوداني. المشهد كله يكشف حجم المأساة أكثر مما يكشف حجم الإنجاز. وطن واحد يحتاج إلى وسطاء دوليين كي يتبادل أبناءه، وكأن الحرب لم تكتفِ بتمزيق الجغرافيا، بل قررت أن تمزق حتى أبسط المعاني الإنسانية.
وفي أمريكا، بدأت فضيحة المختبرات البيولوجية تتسرب من بين أصابع الدولة العميقة نفسها. 120 مختبراً موزعة في 30 دولة، ومليارات صُرفت على أبحاث سرية تتعلق بتطوير الفيروسات وتعزيز قدرتها على الانتشار والفتك. لم يعد العالم يخاف فقط من الصواريخ العابرة للقارات، بل من أن يتحول الهواء نفسه إلى سلاح، وأن تصبح الجراثيم أخطر من الجيوش. الأخطر من ذلك أن من كانوا يتحدثون لسنوات عن “حماية البشرية” متهمون اليوم بإخفاء مشاريع قد تهدد البشرية كلها.
وفي أوكرانيا، لم تكن السماء مجرد فضاء للطائرات، بل ساحة سقوط مفتوحة للنار. روسيا أطلقت أكبر موجة هجوم منذ بداية الحرب، 1560 مسيرة وصاروخ خلال ثلاثة أيام فقط، استهدفت 180 موقعاً عسكرياً وحيوياً. المدن غرقت بالعتمة، منشآت الطاقة تحولت إلى كتل محترقة، والدفاعات الجوية التي ادعت اعتراض أغلب الهجمات لم تستطع إخفاء صوت الانفجارات التي كانت تُسمع كأنها زلازل تضرب قلب أوروبا الشرقية. موسكو أرادت أن تقول للعالم إن الاستنزاف لم يعد يخيفها، وإنها قادرة على تحويل الحرب إلى طاحونة طويلة تأكل الجميع.
أما في بكين، فالمشهد كان أكثر خطورة مما ظهر على الشاشات. ترامب دخل القمة وهو يحمل لغة العقوبات والضغوط، بينما شي جين بينغ تحدث بعقلية الإمبراطور الذي يعرف أن الزمن يعمل لصالحه. الصين لوحت بملف تايوان كخط أحمر، وأرسلت رسالة واضحة بأن أي عبث بهذا الملف قد يشعل مواجهة دولية كبرى. وفي الخلفية كانت لعبة النفط ومضيق هرمز تتحرك بصمت، حيث أبدت بكين رغبة في شراء المزيد من النفط الأمريكي لتقليل اعتمادها على منطقة تقترب من الانفجار.
حتى “ماركو روبيو” لم ينجُ من الرسائل الصينية الباردة، بعدما رفضت بكين التعامل مع اسمه كما هو بسبب العقوبات، في مشهد بدا صغيراً لكنه يحمل صفعة سياسية مدوية تقول إن الحروب الحديثة تُخاض حتى بالأسماء والبروتوكولات.
وفي كوريا الشمالية، كان كيم جونغ أون يكتب أخطر فصل في العقيدة النووية الحديثة. تعديل دستوري يعتبر كوريا الشمالية دولة نووية بشكل رسمي، وإنهاء أي حديث عن توحيد الكوريتين، والأخطر: قرار بإطلاق الصواريخ النووية تلقائياً إذا تعرض الزعيم أو قادة البرنامج النووي لأي استهداف. لم يعد القرار بيد الجنرالات وحدهم، بل أصبح جزءاً من منظومة جاهزة للرد الفوري. العالم يقترب أكثر من مرحلة يصبح فيها الخطأ الواحد كافياً لإشعال الكوكب.
كل شيء اليوم يتحرك نحو الحافة. حاملات الطائرات تملأ البحار، المختبرات تعبث بما لا يُرى، الصواريخ تعيد رسم الحدود، والتحالفات تتغير كل ساعة. الجميع يتحدث عن الاستقرار بينما العالم يعيش أكبر حالة ارتجاف سياسي وعسكري منذ عقود.
نحن لا نعيش مرحلة أخبار عابرة، بل زمن تُكتب فيه خرائط جديدة بالبارود والفيروسات والاقتصاد والخوف.