المنطقة على صفيح الصواريخ.. والقاهرة توازن بين القوة والحذر

مصر في قلب المعادلة.. ماذا لو تحول الرد الإيراني إلى زلزال إقليمي؟
كتب : على خليل
بين أصوات الصواريخ القادمة من الخليج، ورسائل الردع المتبادلة بين واشنطن وطهران، تتحرك القاهرة بحسابات شديدة الدقة في واحدة من أخطر اللحظات التي تمر بها المنطقة منذ سنوات. فمصر، التي تدرك أن أي انفجار عسكري واسع لن يتوقف عند حدود الدول المتصارعة، تتابع المشهد بعين سياسية ترفض الانزلاق إلى الفوضى، وبعين أمنية تستعد لكل الاحتمالات.
ومع تصاعد الحديث عن ردود “مدمرة وغير مسبوقة” قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط، تبدو الدولة المصرية أمام معادلة معقدة: الحفاظ على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، ودعم استقرار الخليج، وفي الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تدفع المنطقة كلها نحو مرحلة من الإنهاك الاقتصادي والأمني غير المسبوق.
في القاهرة، لا يُقرأ التصعيد باعتباره مواجهة عابرة، بل باعتباره اختبارًا ثقيلًا لقدرة المنطقة على البقاء متماسكة أمام عاصفة قد تمتد من مضيق هرمز حتى البحر الأحمر، ومن أسواق النفط إلى الشارع العربي بأكمله.
الموقف المصري في مثل هذا السيناريو يُدار عادة بمنطق “الردع دون الانزلاق”، خاصة أن القاهرة تدرك أن أي مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن لن تبقى محصورة جغرافيًا، بل ستمتد آثارها إلى أمن الطاقة والملاحة والاقتصاد الإقليمي بالكامل.
أما ما يُثار حول إرسال قوات مصرية إلى الخليج، فإن القاهرة تاريخيًا تتعامل مع هذا النوع من التحركات باعتباره جزءًا من ترتيبات دفاعية أو تدريبات أو رسائل تضامن استراتيجي مع دول الخليج، وليس بالضرورة تمهيدًا لدخول حرب مباشرة. العقيدة المصرية منذ عقود تقوم على تجنب التورط في حروب استنزاف خارج الحدود إلا إذا تعلق الأمر بأمن قومي مباشر أو التزامات عربية تهدد توازن المنطقة بالكامل.
في حال تجدد القتال بصورة عنيفة — خصوصًا إذا جاء الرد “غاية في التدمير والقوة” كما تتوقع بعض التقديرات — فإن التحرك المصري على الأرجح سيكون عبر عدة مستويات متوازية:
أولًا: رفع الجاهزية العسكرية والأمنية داخليًا، خصوصًا في البحر الأحمر وقناة السويس والحدود الغربية والشرقية، لأن القاهرة تدرك أن الفوضى الإقليمية دائمًا تفتح أبواب التهريب والاختراقات الأمنية والضغوط الاقتصادية.
ثانيًا: حماية خطوط الطاقة والملاحة.
مصر تعتبر أمن البحر الأحمر وقناة السويس جزءًا من أمنها السيادي المباشر، وبالتالي أي تهديد للممرات البحرية سيدفع القاهرة إلى تحركات بحرية واستخباراتية مكثفة، ليس فقط لحماية التجارة العالمية، بل لحماية أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي للدولة.
ثالثًا: التحرك السياسي والدبلوماسي المكثف.
القاهرة غالبًا ستلعب دور “صمام التهدئة” بين الأطراف، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع الخليج وواشنطن وبعض قنوات الاتصال غير المباشرة مع أطراف إقليمية أخرى. مصر تدرك أن الحرب الشاملة لن تترك منتصرًا حقيقيًا في المنطقة.
رابعًا: الاستعداد الاقتصادي لحرب طويلة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية. أي تصعيد واسع يعني:
- ارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين.
- اضطراب سلاسل الإمداد.
- ضغوط على العملة والأسواق.
- احتمالات تراجع السياحة والاستثمار.
ولهذا ستتجه الدولة — كما حدث في أزمات سابقة — إلى تأمين المخزون الاستراتيجي من السلع والطاقة، وضبط الأسواق، ومحاولة امتصاص الصدمة الاقتصادية قبل أن تتحول إلى ضغط شعبي داخلي.
لكن النقطة الأهم أن القاهرة تعرف جيدًا أن “رد الفعل المدمر” لن يكون تقليديًا فقط. الحديث داخل الدوائر الاستراتيجية الإقليمية لم يعد عن حرب جيوش كلاسيكية، بل عن:
- ضربات سيبرانية واسعة.
- استهداف للبنية التحتية والطاقة.
- هجمات عبر أذرع ووكلاء إقليميين.
- اضطرابات في الملاحة الدولية.
- وحروب نفسية وإعلامية واقتصادية متزامنة.
ولهذا فإن مصر على الأرجح ستحاول البقاء في مساحة “الداعم للاستقرار” لا “الطرف المنخرط مباشرة في المواجهة”، إلا إذا تعرض أمنها القومي المباشر أو أمن الخليج لتهديد يفرض تغيير قواعد الاشتباك.
القراءة الأعمق هنا أن القاهرة ترى أن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة، حيث لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل بقدرة الدول على تحمّل الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي والنفسي طويل المدى. لذلك فإن المصلحة المصرية الأساسية ستكون منع الانفجار الكامل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية الردع وعدم إظهار أي فراغ استراتيجي في محيطها العربي.