حارس النافذة – يكتبها على مقلد

كانت في مقتبل الأربعين، سيدة تشعّ حيوية كشمس الصعيد، حين باغتتها “حمى النفاس” عقب ميلاد صغيرها الأخير. في ردهات مستشفى أسيوط الجامعي، حيث تآخى الموت مع رائحة “الفينيك”، كان جسدها يشتعل تحت وطأة صراعٍ لم يترك لها سوى الهذيان.
في تلك اللحظة، انزاح سِتر الزمن. لم يكن والدها الذي غيبه التراب وهي رضيعة طيفاً، بل كان حضوراً جافاً وصلباً كعروق الأرض؛ لم يتكلم، بل وجه سبابته الموشومة بالكدح نحو نافذة الغرفة، حيث كانت “جميزة” شابة تلوح خلف الزجاج، وكأنه يضبط ساعتها على نبض عروقه المتفجرة. لم يكن هناك صوت، لكنها شعرت ببرودة المسمار الذي دُقَّ في روحها كعلامة وقف.. موعدٌ لا يمحوه إلا جفاف الغصن.
عادت من حافة القبر بقلبٍ مشروخ. منذ ذلك اليوم، صارت البيوت في عينيها أقفاصاً مؤقتة؛ تزيح الستائر حتى في ذروة العواصف، وتضع حذاءها دائماً باتجاه العتبة، كأنها على أهبة فرار دائم. أما الشمال، فكان جهةً سقطت من خرائطها ؛ تشيح بوجهها كلما هبت ريحٌ شمالية، كانت تشعر أن الهواء القادم من تلك الجهة يحمل دائماً أنفاس “المشفى” بين طياته، ويزفر رائحة الفينيك في عقر دارها.
بعد خمسين عاماً، وفي التسعين من عمرها، خذلها جسدها فجأة. .. في سيارة الإسعاف، لم تتألم، بل كانت أظافرها تنغرس في معصم ابنها الأصغر —ذات “الوديعة” التي استردتها من الموت قديماً.
كانت عيناها تجوبان سقف السيارة الضيق بذعر طريدة، وحين لاحت لوحة المدينة الزرقاء، حاولت بجسدها الضامر دفع الباب الموصد، وهي تهمس بصوتٍ مخنوق: “إلى البندر يا ولدي.. أيّ حكيمٍ في الخلاء، لا تتركهم يحبسونني ثانية”. ربت الابن على يدها بجهل المحب: “يا أمي، المكان استبدل جلوده، صار صروحاً من زجاجٍ ونور”.
بمجرد أن استقرت النقالة، سكتت المقاومة. لم تنظر إلى الوجوه البيضاء المحيطة بها، بل نظرت إلى “الآخر” القابع هناك. كانت الجميزة صارت شبكة من العروق الخشبية بلون “وشم أبيها” القديم، تحاكي في تعرجاتها الخريطة الزرقاء على ظهر كفّها التسعيني. تداخلت الأغصان مع قضبان النافذة في عناقٍ حديدي؛ وكأن الشجرة طوال نصف قرن، كانت تمضغ القيد لتصنع لها ولصاحبتها ثغرة عبور.
سقط ثقل الجدران فجأة. لم يعد الزجاج حاجزاً، بل صار غشاءً رقيقاً يسهل ثقبه بابتسامة وادعة. لم ترَ في الممر أطباءً، بل شاهدت طيف صباها ينسلّ من جسدها المتهالك ليقف عند الجذع العتيق، مسترداً يداً تركتها هناك منذ نصف قرن. مالت برأسها نحو النافذة، وشيّعت بصرها في الفجوة بين الغصن والقضبان، مستسلمة لبرودةٍ لذيذة تتدفق في عروقها.
ومع حفيف الغصن الأخير على الزجاج، لم تنطفئ عيناها، بل انتقل الضوء منهما إلى الشجرة العتيقة، لتورق الجميزة بدمٍ قديم. وحين دخل الممرضون لإعلان الوقت الرسمي للرحيل، وجدوا النافذة مغلقة بإحكام، وباب الغرفة موصداً، لكن ثمرة جميز واحدة، طازجة ومبللة بندى الفجر ، كانت تستقر بهدوء فوق صدرها الساكن .