شاشة الخراب

شريف الحسيني يكتب عن السوشيال ميديا وباء وسبب معظم المشاكل النفسية والاجتماعية
السوشيال ميديا دخلت حياتنا بهدوء
لم تطرق الباب ولم تستأذن
جلسنا أمامها بدافع الفضول
ثم صرنا ننام ونستيقظ وهي أول ما نلمس
تحولت من وسيلة إلى غاية
ومن أداة إلى سيد
الإنسان القديم كان يخاف من العزلة
الإنسان الجديد يخاف من انقطاع الإنترنت
صار يقيس قيمته بعدد الإعجابات
ويقيس حضوره بعدد المشاهدات
ويقيس سعادته بعدد التعليقات
ونسأل بعد ذلك لماذا انتشر الاكتئاب
السوشيال ميديا أعطت كل شخص منصة
لكنها لم تعط كل شخص عقلا
صار الجميع يتكلم
والقليل فقط يستمع
وصار الجميع يفتي
والقليل فقط يفهم
وصار الجميع يحكم
والقليل فقط يرحم
البيوت امتلأت بالأجهزة وفرغت من الحوار
الآباء في غرفة والأبناء في غرفة
وكل واحد في عالمه الخاص
نأكل على مائدة واحدة
لكن كل واحد ينظر في طبق مختلف
هو شاشة هاتفه
ثم نشكو من تفكك الأسرة
الصداقات صارت رقمية
نرسل قلوبا حمراء ولا نعرف معنى الحب
نكتب نحن معك ولا نذهب لأحد
نواسي الناس برموز تعبيرية
ونظن أننا أدينا الواجب
ثم نستغرب لماذا صار الحزن ثقيلا
المقارنة قتلت الرضا
كل شخص يعرض أفضل لحظة في يومه
ونحن نقارنها بأسوأ لحظة في يومنا
نرى سفرهم ولا نرى ديونهم
نرى ضحكهم ولا نرى دموعهم
نرى نجاحهم ولا نرى تعبهم
فنظن أننا الفاشل الوحيد في هذا العالم
الخصوصية انتهت
صرنا نصور الطعام قبل أن نأكل
ونصور الهدية قبل أن نشكر
ونصور الدمعة قبل أن نجفها
تحولت حياتنا إلى محتوى
وتحولنا نحن إلى متفرجين على أنفسنا
نعيش التجربة مرتين
مرة لنعيشها ومرة لننشرها
وفي المرتين لا نشعر بها
الغضب صار سلعة
كلما صرخت أكثر كلما انتشرت أكثر
كلما شتمت أكثر كلما زاد التفاعل
صار الناس يبحثون عن معركة يومية
يستيقظون ليسألوا من نشتم اليوم
ومن نسقط اليوم
ومن نحاكم اليوم
والنتيجة مجتمع متوتر
يأكل بعضه تحت شعار حرية الرأي
الأطفال كبروا قبل أوانهم
عرفوا مصطلحات الكبار
ودخلوا معارك الكبار
وحملوا هموم الكبار
وهواتفهم في أيديهم
صار الطفل يعرف كيف يصنع ترند
ولا يعرف كيف يصنع جملة مفيدة
يعرف كيف يقلد رقصة
ولا يعرف كيف يربط حذاءه
النوم صار حلما
الضوء الأزرق يسكن العيون
والتنبيهات تسكن العقل
نضع الهاتف بجوار الرأس
وننام ونحن نخاف أن يفوتنا شيء
ثم نستيقظ مرهقين
ونلوم العمل ونلوم الحياة
ولا نلوم الشاشة التي سرقت ليلنا
العلاقات الزوجية تنهار بصمت
هو يرى نساء العالم في هاتفه
وهي ترى رجال العالم في هاتفها
ثم ينظران إلى بعضهما ببرود
كل واحد يظن أن الآخر لا يكفي
وأن هناك خيارا أفضل في مكان ما
خيار لا يخطئ ولا يغضب ولا يتعب
خيار غير موجود إلا في الفلتر
التركيز صار عملة نادرة
لا أحد يقرأ صفحة كاملة
لا أحد يسمع فكرة كاملة
الكل يريد معلومة في عشر ثوان
ومقطع في خمس عشرة ثانية
وصرنا نعجز عن متابعة فيلم
أو قراءة كتاب
أو سماع شرح
عقولنا تبرمجت على السرعة
والسرعة لا تصنع فهما
الخوف من الفوات صار مرضا
نفتح التطبيقات بلا سبب
نقلب نفس الصفحة مئة مرة
ننتظر شيئا لا نعرف ما هو
وإن لم نجد شيئا جديدا نشعر بالفراغ
صارت المتعة في التحديث
وليس في المحتوى
السوشيال ميديا ليست شرا مطلقا
لكنها سلاح بلا تدريب
أعطيناها لطفل يقود سيارة
والنتيجة حوادث يومية
في النفس وفي البيت وفي المجتمع
الحل ليس في الحذف الكامل
الحل في الوعي
أن تعرف متى تدخل ومتى تخرج
أن تملكها ولا تملكك
أن تستخدمها ولا تستخدمك
أن تضع لها وقتا
كما تضع للطعام وللنوم وللعمل
اغلق هاتفك ساعة كل يوم
اجلس مع أهلك بلا شاشة
اقرأ صفحة من كتاب ورقي
امش في الشارع بلا سماعة
اسأل صديقك كيف حالك وانظر في عينيه
ستكتشف أن الحياة خارج الشاشة
ما زالت موجودة
وما زالت تستحق أن تعاش