*المَحشَر الصغير قصة * : لـ علي مقلد

هناك من حاول كسر الدائرة. قريبٌ لنا، فرّ يوماً من سطوة النميمة وجوع المصاطب، ليترك خلفه ندبةً في قلب أمه. تاه في زحام المدن حتى استحال صدىً باهتاً في ذاكرة القرية، وحين التقيناه في ضجيج “مولد الحسين” بعد ربع قرن، كان جسداً ناحلاً يلفّه شقاء المدائن.
تحسس بقايا أسنانه المتآكلة بلسانه، نظر إلى الأرض كأنه يبحث عن شيء ضاع منه، ثم قال بمرارةِ من أدرك الحقيقة مبكراً: “وهل هذه بلد؟! من شَرّقَ فيها غرق، ومن غَرّبَ دهسه القطار.. ثم ابتلعه الزحام”.
قريتنا ليست مجرد بيوت؛ إنها “المحشر الصغير” القابع بدقة هندسية بين فكّي القدر: نيلُ الشرق؛ صيادٌ صبور يفرش ماءه ببريق الغرق، وسكة حديد الغرب التي تعوي كوحشٍ يقتات على أجساد العابرين. نحن عالقون في هذا البرزخ؛ نلعن المكان صباحاً، ونرقص في أفراحه حتى الفجر، نكايةً بالعدم.

في أزقتها، يختلط دخان “الصنف” بتراتيل “الكهف” الآتية من راديو قديم. هناك، يكتمل المحشر في «سوق الخميس»؛ تذوب الفوارق تحت رحاه، وتغدو الأجساد حبات قمح تُطحن لعجين واحد؛ نظراتٌ تُشحذ كالنصال، وغلٌ مؤجل يغلي في الصدور لما بعد الغروب.
ذات غياب، انكسر القوس … رحل الرجال في هجراتهم الموسمية فشحب وجه القرية كأنها تلفظ أنفاسها. غدت رائحة “التقلية” ذكرى باهتة، وصار وقع أقدام الغفراء ليلاً جنازة تمشي قبل أوانها. حبال الغسيل كفّت عن الرقص؛ غدت شريطاً من حداد طويل، واكتست المناشر بالسواد كأن البيوت أعلنت اعتزالها للحياة. الجامع الكبير فقد سَمْته؛ الشيخ الذي كان يزلزل المنابر بوعيد جهنم، صار صوته غلالة من حرير واهن، يدندن بلحنٍ قديم وهو يفتح أبواب المسجد، وفي الصلاة يطيل السجود؛ كأنه يتوسل للمصلين ألا يتركوا المحراب يشيخ وحيداً.

في تلك الأيام، رأينا الصقور تنكسر مخالبها؛ لا طيبةً، بل لأن الصيد قد نضب. العمدة الذي كان يقطع الطريق بخيله، ترجّل ليحمل عن عجوز حزمة برسيم؛ أرخى أذنه ليلتقط كلمات التبجيل التي اعتاد عليها قبل أن تسقط على القرية «طيبةٌ جنائزية» ببرودة الحجر في غسق المقابر.

ثم جاء العيد..
انفجرت السكة الحديدية بالبشر. انفتحت بوابات القرية لتستقبل العائدين بجلابيبهم الناصعة، يحملون غبار السفر وعطر الغربة الرخيص. تعانقوا عناق الناجين من زلزال، وانطلقت ضحكاتهم كطلقات رصاص؛ لقد استرددنا “الروح” أخيراً من فم النهر ومن أنياب القضبان. استيقظت المناشر من سباتها، وتلونت بحمرة الأنوثة وبياض الجلابيب الجديدة، معلنةً بصخب الألوان أن الدم عاد يتدفق في عروق البيوت الخاوية.
بمجرد أن انطفأت أنوار آخر أيام التشريق، استيقظت القرية على حقيقتها الشرسة. “فاول” في مباراة كرة قدم أعاد رسم حدود الكراهية بدمٍ طازج. أمام الدوار، عادت “التكشيرة” وشماً مقدساً؛ العمدة يمرر مسبحته بأصابع مرتعشة بجوار سيارة الشرطة، وصوت الشيخ يرتفع بالوعيد الزاعق من جديد.
تبادل الجميع نظرات الرضا فوق المقاهي؛ فقد استردت القرية رُوحها الآن. استأنسوا بضجيجهم المألوف، وتحلّقوا حول طاولات الزهر يشدّون الوثاق على ما تبقى من أعمارهم، ويمضغون مع أدخنة التبغ سيرة قريبنا الراحل وأولئك الذين ينبتون فجأة في الذاكرة كلما توهموا أن النسيان قد طواهم؛ يتذوقون في حكاياتهم طعم انتصار يدارون به هزائمهم، بينما في البعيد، كان النيل يواصل همسه الغادر، وقضبان الغرب تترصد خطى العابرين في صمت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى