الخليج بين الخوف والمصلحة… هل تُرسم خريطة الشرق الأوسط من جديد؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
منذ بداية التصعيد الكبير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، كان الاعتقاد السائد لدى كثيرين أنّ المعركة محصورة بعنوان “النووي الإيراني” أو “سلاح المقاومة” أو حتى النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن مع مرور الوقت، بدأت صورةٌ أعمق تتكشف شيئاً فشيئاً: الهدف الحقيقي لم يكن إيران وحدها… بل الخليج أيضاً.
فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرب صواريخ فقط، بل يعيش حرب إعادة تشكيل للمنطقة بأكملها، سياسياً واقتصادياً وأمنياً. ومن يقرأ المشهد بهدوء، يلاحظ أنّ دول الخليج أصبحت أمام لحظة تاريخية حساسة جداً، تُدفع فيها نحو خيارين لا ثالث لهما:
إمّا الانضمام الكامل إلى المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي الجديد في المنطقة، أو تحمّل كلفة المواجهة والتوتر والاضطراب الاقتصادي والأمني.
ما يُعرف بـ “اتفاقيات أبراهام” لم يكن مجرد خطوة تطبيع عادية بين بعض الدول العربية وإسرائيل، بل مشروع متكامل لإعادة هندسة المنطقة تحت عنوان جديد:
إسرائيل ليست عدواً… بل شريكاً وقائداً أمنياً واقتصادياً للشرق الأوسط.
ومن هنا نفهم لماذا تُطرح فكرة “الحماية” دائماً.
فالولايات المتحدة تقول عملياً لدول الخليج:
نحن نحمي نفطكم، ونؤمّن استقراركم، ونمنع إيران من تهديدكم، لكن في المقابل يجب أن تصبحوا جزءاً من المنظومة الجديدة التي تقودها واشنطن وتل أبيب.
المشكلة أنّ الخليج يعيش معادلة معقدة جداً.
فهو من جهة يخشى أي حرب كبرى مع إيران، لأن أي صاروخ أو استهداف قد يهدد المنشآت النفطية والموانئ والأسواق والاستثمارات.
ومن جهة ثانية، يعلم أنّ الدخول الكامل في المشروع الإسرائيلي قد يخلق غضباً شعبياً واسعاً داخل العالم العربي والإسلامي، ويحوّل المنطقة إلى ساحة احتقان دائم.
إيران أيضاً تدرك هذه النقطة جيداً، ولذلك تحاول دائماً إيصال رسالة واضحة:
إذا تم استهدافنا أو محاصرتنا بالكامل، فلن تبقى حقول النفط أو خطوط الملاحة أو الاستقرار الاقتصادي بعيداً عن النار.
وهنا تحديداً تصبح دول الخليج في قلب المعركة، لا على هامشها.
فالنفط الخليجي ليس مجرد ثروة مالية، بل شريان عالمي.
وأي اضطراب في الخليج يعني اهتزاز الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار الطاقة، وتوتر الأسواق الدولية. ولهذا السبب، تحاول واشنطن استخدام “الخوف من الفوضى” كأداة ضغط سياسية لدفع المنطقة نحو ترتيبات جديدة.
لكن السؤال الأخطر هو:
هل المطلوب حماية الخليج… أم السيطرة على قراره؟
لأنّ بعض المراقبين يرون أنّ ما يجري ليس فقط مواجهة مع إيران، بل محاولة لإعادة رسم الشرق الأوسط بحيث تصبح إسرائيل المركز السياسي والأمني والتكنولوجي والاقتصادي للمنطقة، فيما تتحول بقية الدول إلى أطراف مرتبطة بهذا المركز.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإنّ المنطقة لن تعود كما كانت أبداً.
لن تكون القضية الفلسطينية هي العنوان المركزي، بل الأمن الإقليمي المشترك، والاستثمارات المشتركة، والتحالفات العسكرية الجديدة، والممرات الاقتصادية العابرة للحدود.
أما الشعوب العربية، فهي تعيش حالة ضياع بين خطابين:
خطاب الخوف من الحرب والانهيار، وخطاب الخوف من ضياع الهوية والسيادة والقرار المستقل.
الخليج اليوم ليس مجرد ممول اقتصادي كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل أصبح ساحة القرار الكبرى في الشرق الأوسط.
ولهذا، فإنّ كل الضغوط، وكل التفاهمات، وكل التهديدات، تدور حوله ومن أجله.
قد تتوقف الحروب العسكرية يوماً، لكن معركة النفوذ على الخليج لن تتوقف بسهولة، لأن من يملك الخليج… يملك جزءاً كبيراً من مفاتيح العالم.