محمد غزال: مصر بين التاريخ والحاضر والمستقبل … رمانة الميزان لإعادة الاتزان الإقليمي

أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن ما تشهده المنطقة من اضطرابات متسارعة لا يمكن قراءته فقط في إطار الصراع السياسي أو العسكري التقليدي، بل هو انعكاس لصراع أعمق يمتد إلى مستويات التاريخ والوعي والروح، حيث تتقاطع إرادات القوى الكبرى مع مخزون حضاري وروحي متجذر في وجدان المنطقة، وفي القلب منه مصر بوصفها مركز التوازن وضابط الإيقاع.
وقال: إن مصر لم تكن يومًا مجرد دولة في خريطة، بل تمثل عبر التاريخ “نقطة الميزان” التي يُعاد عندها ضبط مسار الأحداث حين يختل التوازن، موضحًا أن الأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط هي نتاج تراكمات تاريخية وصراعات ممتدة، تتداخل فيها المصالح مع الأيديولوجيات، والواقع مع الرمزية، مما يجعل فهمها يتطلب قراءة مركبة تتجاوز ظاهر الأحداث إلى عمقها البنيوي والروحي.
وأضاف “غزال” أن لحظات الذروة في الصراع، حين يبلغ الطغيان مداه، تكون في ذات الوقت لحظات أقتراب التحول، حيث لا تصنع القوة المجردة نهاية التاريخ، بل تحسمها المعرفة وكشف الزيف واستعادة الوعي، مشيرًا إلى أن ما يبدو فوضى هو في حقيقته مخاض لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي وفق معايير جديدة.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن الحديث عن “القوة” في المرحلة الراهنة لم يعد مقتصرًا على الأدوات العسكرية، بل يشمل ما وصفه بـ”القوة المركبة” التي تجمع بين الوعي والمعرفة والقدرة على قراءة اللحظة التاريخية، معتبرًا أن مصر تمتلك هذا الرصيد عبر إرثها الحضاري الممتد، وهو ما يجعلها قادرة على لعب دور محوري في إعادة الاتزان.
وأشار إلى أن الإسكندرية، بما تحمله من رمزية تاريخية، تمثل نموذجًا لفكرة الصمود والتحول، مستشهدًا بمحطتين فاصلتين في تاريخها خلال الفتح الإسلامي؛ الأولى عند سقوطها عام 21 هـ بعد حصار طويل انتهى بصلح أنهى الوجود البيزنطي، والثانية عند استردادها عام 25 هـ بعد محاولة غدر أعادت الصراع من جديد، حيث خاضت القوات معركة حاسمة انتهت بتثبيت الاستقرار بشكل نهائي، معتبراً أن هاتين المحطتين تجسدان قانونًا تاريخيًا مفاده أن الصراع قد يتجدد بعد الحسم، لكن الإرادة المستقرة والقدرة على إعادة الفعل تحسم النتيجة في النهاية.
وأضاف أن هذه الدلالات التاريخية تعكس ما تمر به المنطقة اليوم، حيث لا يكفي تحقيق التوازن مرة واحدة، بل يتطلب الأمر يقظة دائمة وقدرة على التعامل مع موجات متلاحقة من التحديات، مؤكدًا أن مصر كانت دائمًا في قلب هذه المعادلة، قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج الاستقرار.
وفي سياق متصل، تناول البعد الرمزي والروحي للصراع، موضحًا أن ما يُطرح أحيانًا في إطار رمزي أو إشاري، يعكس في جوهره حالة بحث عن المعنى في زمن الاضطراب، حيث تتصاعد الحاجة إلى نماذج تعيد تعريف القيادة والعدل والوعي، مشيراً إلى أن فكرة “المنقذ” أو “القائد الجامع” في الوجدان الجمعي ليست بالضرورة تعبيرًا عن شخص بقدر ما هي إنعكاس لحاجة تاريخية إلى مرحلة جديدة من التوازن، تقوم على إعادة بناء الإنسان قبل إعادة تشكيل الدولة.
وحول ظهور المهدي والزمن المرتبط بالنهوض، شدد على أن هذا الظهور ليس بحثًا عن سلطة أو نفوذ، بل كشف للزيف وإعادة للقيم الروحية: “المهدي” يظهر ليس بالسيف، بل بالكلمة والحق، ليعيد الإنسان إلى جوهره، وتعود مصر موضع الميزان لإصلاح الإنسان قبل الدولة، وكشف الوهم وبناء الإنسان الجديد على أنقاض الزيف
وأكد أن ما يُتداول حول “الظهور” أو “التحول الكبير” يجب قراءته في سياقه الأعمق، باعتباره تعبيرًا عن انتقال من مرحلة الفوضى إلى مرحلة الفرز، حيث ينقسم الناس وفق مستوى الوعي والإدراك، وتُعاد صياغة القيم الحاكمة للمجتمع، موضحًا أن هذه المرحلة تتطلب قدرًا عاليًا من الصبر والتمييز بين الحقيقة والوهم.
وشدد على أن ما وصف بـ”جيش الأعراف” لا ينبغي فهمه بالمعنى الحرفي الضيق، بل كرمز لقوى الوعي الحية في المجتمع، من أصحاب الضمائر اليقظة والعقول القادرة على إدراك الحقيقة، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يصنعه السلاح وحده، بل تصنعه منظومة متكاملة من القيم والمعرفة والإرادة.
وأضاف أن التاريخ يثبت أن التحولات الكبرى تبدأ من إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وهو ما يجعل معركة المرحلة الراهنة في جوهرها معركة إدراك وفهم، قبل أن تكون صراعًا على الأرض أو النفوذ، لافتًا إلى أن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس التحديات الخارجية فقط، بل الوقوع في أسر الوهم وفقدان القدرة على التمييز.
وأوضح أن مصر، بما تمتلكه من عمق حضاري وروحي، تظل مؤهلة لقيادة مرحلة إعادة التوازن، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على مستوى إعادة طرح نموذج إنساني يقوم على العدل والمعرفة والرحمة، مشيرًا إلى أن قوة الدولة المصرية تكمن في قدرتها على الجمع بين الثبات التاريخي والمرونة الاستراتيجية.
وأكد علي أن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، لكنها تحمل في طياتها فرصًا لإعادة البناء، حيث يولد من قلب الأزمات وعي جديد قادر على تجاوز أخطاء الماضي، وإعادة صياغة المستقبل على أسس أكثر صلابة واتزانًا.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن مصر ستظل، بحكم موقعها ودورها، مركزًا للميزان في المنطقة، وحاضنة لإعادة تشكيل الوعي الإنساني، قائلًا: إن الحفاظ على هذا الدور يتطلب التمسك بالقيم الأصيلة، وتعزيز الوعي، والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات، لأن معركة الحاضر، في جوهرها، هي معركة على معنى الإنسان ودوره في هذا العالم.
وختم قائلًا: إن مصر ليست مجرد وطن، بل مركز النور والكنز الروحي الذي يعيد الميزان للبشرية، وحافظتها للحق والعدل، وستظل مركزًا للوعي الروحي والنهوض الإنساني في كل زمان ومكان.