
الهام اليمانى : مثلث الصراع الشيطانى وخريطة التحالفات الجديدة في عالم يتغيّر
يرى كثيرون أن العالم يدخل مرحلة غير مسبوقة من إعادة تشكيل موازين القوى، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم المشاريع الكبرى على نحو يعيد إلى الأذهان صراعات تاريخية سابقة، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا وخطورة. في قلب هذه التحولات تبرز تحالفات تقليدية وأخرى ناشئة، ما يجعل المشهد الدولي أقرب إلى لوحة شطرنج تتحرك فيها القطع وفق حسابات استراتيجية طويلة الأمد.
فمن جهة، يُنظر إلى تقارب الولايات المتحدة مع إسرائيل بوصفه أحد أعمدة النظام الدولي الحالي في الشرق الأوسط، بينما تلوح في الأفق مؤشرات على تقاطعات جديدة تشمل قوى آسيوية صاعدة مثل الهند، التي تسعى لتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة.
وفي المقابل، تتشكل مسارات تعاون بين قوى إقليمية ودولية أخرى، من بينها إيران وباكستان والصين، إضافة إلى دول عربية محورية مثل السعودية ومصر، ما يعكس اتجاهاً نحو عالم متعدد الأقطاب لا يحتكر فيه طرف واحد القرار الدولي.
تاريخيًا، ظلت مصر تحديدًا محورًا رئيسيًا في معادلات القوة بالمنطقة، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري والحضاري. لذلك يعتبرها كثير من الاستراتيجيين “الجائزة الكبرى” في أي تصور لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، إذ إن استقرارها أو اضطرابها ينعكس على محيط واسع يمتد من شرق المتوسط إلى العمق الإفريقي والعربي.
كما أن التجارب التاريخية تشير إلى أن هذه الأرض كانت دائمًا نقطة الحسم في مواجهة قوى توسعية، حيث اصطدمت بها إمبراطوريات كبرى عبر العصور، وانتهت طموحات بعضها عند حدودها. وهو ما يعزز الاعتقاد بأن أي مشروع للهيمنة الإقليمية لا يمكن أن يكتمل دون أخذ الدور المصري في الحسبان.
على المستوى العالمي، تبدو المؤسسات الدولية التقليدية — مثل مجلس الأمن أو منظومة القانون الدولي — أقل قدرة على ضبط الصراعات مقارنة بالماضي، في ظل تصاعد الحروب بالوكالة، وتنامي سباقات التسلح، وتزايد النزاعات حول الطاقة والممرات البحرية والمواقع الاستراتيجية.
ويتوقع محللون أن تشهد السنوات القليلة القادمة تغيرات حادة قد تشمل صعود قوى وانكفاء أخرى، وربما إعادة رسم مناطق النفوذ وفق اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية، خصوصًا ما يتعلق بمصادر الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
كما تتزايد المخاوف بشأن استقرار بعض الدول المحورية في المنطقة، مثل الأردن والكويت، في ظل بيئة إقليمية مضطربة وتحديات أمنية واقتصادية متشابكة.
في هذا السياق، يبرز طرح يدعو إلى تعزيز التضامن العربي والإقليمي بدل الانقسام، باعتبار أن التحديات العابرة للحدود — من الإرهاب إلى الأزمات الاقتصادية والمناخية — لا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة. فالقوة الحقيقية، وفق هذا المنظور، لا تكمن في التنافس على الزعامة بقدر ما تكمن في بناء شبكات تعاون تحقق المصالح المشتركة وتحافظ على الاستقرار.
إن المرحلة الراهنة قد تكون بالفعل من أصعب المراحل التي يمر بها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، لكنها أيضًا قد تفتح الباب أمام توازنات جديدة أكثر عدلاً إذا أحسنت الدول إدارة اختلافاتها وتغليب لغة المصالح على لغة الصدام.
وفي النهاية، يبقى الأمل أن تنتصر الحكمة على منطق القوة، وأن تتجه المنطقة نحو الاستقرار والتنمية بدل الحروب والانقسامات، وأن تدرك الشعوب أن وحدتها وتماسكها الداخلي هما خط الدفاع الأول في مواجهة أي تحديات خارجية.
حفظ الله مصر وأهلها، وحفظ الأمة العربية من الفتن، وجعل المستقبل أكثر أمنًا وسلامًا للجميع.