“الهيموفيليا” في ليبيا… معاناة صامتة بين نقص العلاج وخطر النزيف

في ظل التحديات التي يواجهها القطاع الصحي في ليبيا، يبرز مرض الهيموفيليا كأحد الأمراض المزمنة والنادرة التي تعكس معاناة إنسانية مركّبة، تمتد من نقص التشخيص المبكر إلى صعوبات توفير العلاج والمتابعة الطبية. ويعرف هذا المرض بأنه اضطراب وراثي يؤثر على قدرة الدم على التجلط، ما يجعل المصابين عرضة لنزيف متكرر قد يهدد حياتهم أو يسبب إعاقات دائمة.
ورغم الجهود المحدودة لبعض الجهات والجمعيات، لا تزال شريحة مرضى الهيموفيليا في ليبيا تواجه تحديات كبيرة، تتراوح بين نقص الأدوية الأساسية، وضعف التوعية المجتمعية، وغياب قاعدة بيانات دقيقة، وهو ما دفع إلى إطلاق مبادرات محلية تسلط الضوء على أوضاعهم الصحية والاجتماعية.
بين النزيف والأمل… حكاية شاب ليبي يصارع الهيموفيليا
في مدينة بنغازي، حيث تتقاطع الحكايات بين الأمل والمعاناة، يعيش علي عبد الله حسين الراجحي، شاب في الثلاثين من عمره، قصة طويلة مع مرض الهيموفيليا A، أو ما يعرف بـ”الناعور”، وهو مرض رافقه منذ أيامه الأولى، وترك بصمته في كل تفاصيل حياته.
يسترجع علي بداية رحلته قائلاً إن المرض تم اكتشافه وهو لا يزال رضيعاً، بعد ظهور بقع حمراء وزرقاء في منطقة الإبطين. لم تكن تلك العلامات مجرد أعراض عابرة، بل كانت مؤشراً على اضطراب نزيفي مزمن، أكّدته الفحوصات الطبية لاحقاً. منذ ذلك الحين، بدأ رحلة العلاج باستخدام حقن فاكتور 8، الدواء الأساسي لمرضى الهيموفيليا A، والذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من يومه.
ورغم محاولات التعايش، لم تخل سنوات الطفولة من التحديات. عند بلوغه السادسة، تعرض لإصابة في مفصل الركبة اليسرى، لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح، نتيجة نقص الخبرة الطبية المتخصصة في التعامل مع مثل هذه الحالات الحساسة. تلك الإصابة لم تكن عابرة، بل تطورت مع الوقت لتتحول إلى إعاقة دائمة أثّرت على حركته ونمط حياته.
لم تتوقف معاناة علي عند هذا الحد، فقد واجه في سنوات لاحقة نوبات نزيف داخلي حادة، خاصة على مستوى البطن، أدخلته إلى العناية المركزة أكثر من مرة، وتحديداً في عامي 2013 و2017. ويشير إلى أن هذه النوبات غالباً ما كانت تتزامن مع فترات انقطاع الدواء، ما يجعل المرض أكثر خطورة ويهدد حياة المريض بشكل مباشر.
يؤكد علي أن الدواء بالنسبة لمريض الهيموفيليا ليس مجرد علاج، بل هو شريان حياة. فبدونه، تتعطل الدراسة، وتتوقف الأنشطة اليومية، وتصبح أبسط الأمور، مثل زيارة طبيب الأسنان أو الخضوع للعلاج الطبيعي مخاطرة قد تؤدي إلى نزيف خطير.
ويضيف أن غياب العلاج لا يؤثر فقط على الصحة الجسدية، بل ينعكس أيضاً على الحالة النفسية والاجتماعية للمريض، ويضعه في دائرة من القلق المستمر.
كغيره من المرضى في ليبيا، واجه علي صعوبات كبيرة في استكمال مسيرته التعليمية، نتيجة الانتكاسات الصحية المتكررة وغياب الاستقرار العلاجي. ويصف الواقع الذي يعيشه مرضى الهيموفيليا بأنه “قاسٍ ومأساوي”، في ظل نقص الإمدادات الطبية، وغياب منظومة متكاملة للرعاية الصحية المتخصصة.
ورغم كل ذلك، لا يزال الأمل حاضراً. يوجّه علي رسالة إلى الجهات المعنية، مطالباً بضرورة توفير الأدوية بشكل منتظم، وتحسين خدمات الرعاية الصحية لمرضى الهيموفيليا، للتخفيف من معاناتهم ومعاناة أسرهم. كما يستذكر بحزن من فقدوا حياتهم بسبب نقص العلاج، ممن كانوا يحلمون فقط بفرصة للعيش بكرامة.
قصة علي ليست حالة فردية، بل تمثل واقع عشرات المرضى الذين يعيشون يومياً بين خطر النزيف وانتظار الدواء… وبين الألم، يبقى الأمل هو الدافع للاستمرار.
الهيموفيليا
من جانبه، قال الدكتور جمال الشريف المتخصص في علاج الهيموفيليا إن هناك تقصيرًا في نشر المعلومات الحقيقية حول مرضى الهيموفيليا، مع نقص كبير في التوعية بطبيعة المرض، موضحًا أنه مرض وراثي يحدث نتيجة نقص في الفاكتور الثامن أو التاسع، حيث ينقص الفاكتور الثامن في حالات الهيموفيليا A، بينما ينقص الفاكتور التاسع في حالات الهيموفيليا B.
وأضاف الشريف في حديثه لـ”سبوتنيك”، أن نحو ثلثي الحالات تكون نتيجة تاريخ عائلي واضح، في حين أن الثلث الآخر ناتج عن طفرة جينية دون وجود تاريخ عائلي، مشيرًا إلى أن المرض يصيب الذكور بشكل أساسي، مع حالات محدودة لدى الإناث.
وأوضح أن الفاكتورين الثامن والتاسع عبارة عن بروتينات موجودة طبيعيًا في جسم الإنسان، وتكمن وظيفتهما في إيقاف النزيف عند حدوث الجروح، إلا أن نقصهما لدى مرضى الهيموفيليا يجعل النزيف قد يشكل خطرًا على الحياة.
وأشار إلى أن تصنيف مرضى الهيموفيليا يعتمد على نسبة الفاكتور في الجسم، فإذا كانت أقل من 1% تُعد الحالة شديدة، وإذا تراوحت بين 1% و5% فهي متوسطة، أما إذا كانت أكثر من 5% فتُعد خفيفة.
وبيّن أن المرضى الذين تقل نسبة الفاكتور لديهم عن 1% يكونون أكثر عرضة للنزيف التلقائي، والذي قد يحدث في أماكن خطيرة مثل النزيف الداخلي داخل تجويف البطن، ما قد يهدد حياة المريض في حال عدم التشخيص والعلاج السليم.
وأضاف أن أبرز أعراض المرض هو النزيف، الذي قد يصيب المفاصل والعضلات، ما يؤدي إلى نزيف متكرر في المفاصل ينتج عنه تشوهات وإعاقات، وهو ما يسعى الأطباء إلى منعه. كما أشار إلى أن الحالات الشديدة قد تتعرض للنزيف نتيجة أنشطة بسيطة مثل صعود الدرج أو الجلوس لفترات طويلة، ما قد يؤدي إلى نزيف في مفصل اليد.
ولفت إلى أن غياب التاريخ العائلي يصعّب عملية التشخيص، حيث قد يظهر النزيف لدى المواليد منذ الأيام الأولى، خاصة بعد عملية الختان، وقد يكون نزيفًا مطولًا يهدد حياة المولود.
وأوضح أن التشخيص بسيط، ويعتمد على اشتباه الطبيب وطلب تحاليل الفاكتورين الثامن والتاسع، ومن خلال نتائجها يتم تأكيد الإصابة.
وأشار إلى وجود نقص في التحاليل التشخيصية داخل المستشفيات العامة، رغم أنها غير مكلفة ولا تحتاج إلى أجهزة معقدة، مؤكدًا أن عدم توفرها يمثل إحدى أبرز الصعوبات التي تواجه المرضى.
وبيّن أن العلاج يعتمد على نسبة الفاكتور، حيث يجب على المرضى في الحالات الشديدة والمتوسطة البدء بالعلاج الوقائي من خلال إعطاء الفاكتور الثامن أو التاسع بشكل منتظم، بهدف منع حدوث النزيف وحماية المفاصل، على أن يبدأ هذا العلاج منذ الطفولة.
وأضاف أن الاتحاد العالمي للهيموفيليا يصنّف العلاج الوقائي كعلاج أساسي للحالات الشديدة والمتوسطة، إلا أن تطبيقه في ليبيا يواجه صعوبات بسبب عدم توفر الفاكتور بالكميات المطلوبة، مشيرًا إلى أن من السياسات الخاطئة إعطاء العلاج فقط عند حدوث النزيف، بدلًا من تقديمه بشكل وقائي.
وأوضح أنه في إحدى السنوات تم توفير الفاكتور بكميات كافية، وبدأ المرضى في تلقي العلاج الوقائي، ما مكّنهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي دون حدوث نزيف.
وأكد أن مرضى الهيموفيليا يعانون من غياب العيادات المتخصصة، حيث يتم تشخيص معظم الحالات في عيادات عامة من قبل أطباء غير متخصصين، لافتًا إلى إنشاء عيادة متخصصة في مركز بنغازي الطبي تضم طاقمًا مختصًا بمتابعة المرضى، على غرار ماهو معمول به في بعض الدول.
وأشار إلى أن عدم تلقي العلاج المناسب يؤدي عند البلوغ إلى صعوبات في الحركة أو استخدام اليدين نتيجة تلف المفاصل، مؤكدًا أن المريض يمكن أن يكون شخصًا طبيعيًا ومنتجًا في المجتمع إذا توفر له العلاج، مثل مرضى السكري.
