سنوات من الاجتهاد في وطنٍ لا يزال يعاقب العقول الحرة .. أحمد شعبان.. رجلٌ حاول أن يوقظ نور العقل في أمةٍ اعتادت السير في الظلام
بدأتُ رحلتي مع الباحث احمد شعبان منذ لحظةٍ ظننتها عابرة، لكنها تحوّلت مع الأيام إلى يقينٍ بأننا أمام اجتهاد يستحق أن يُقرأ بعين العقل لا بعين الرفض المسبق. فمنذ أكثر من خمسةٍ وثلاثين عامًا، عرفتُ الباحث أحمد شعبان صديقًا قريبًا، وعشت معه سنوات طويلة رأيت فيها حجم ما بذله من جهدٍ وصبرٍ وإصرار، وهو يغوص في أعماق الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور، محاولًا أن يفهم ذلك التطابق المدهش بين المثل القرآني العظيم وما توصّل إليه العلم الحديث في عالم الليزر والنور والطاقة.
وقد كان هو نفسه، في بداية الأمر، غير قادر على تصديق ما توصّل إليه. ظل يقلب الفكرة على جميع الوجوه، ويحاول استبعادها من ذهنه، لكنها كانت تعود إليه بإلحاحٍ أشد، حتى دفعه ذلك إلى رحلة طويلة بين كتب التفسير القديمة، وعلوم الفيزياء الحديثة، محاولًا أن يجد تفسيرًا يطمئنه، أو شاهدًا يفسّر له سر هذا المثل القرآني الفريد. لم يكن يبحث عن شهرة، ولا يطارد وهمًا، بل كان يسعى إلى تأصيل بحثه علميًا وفكريًا، مستندًا إلى اجتهاد سنوات طويلة من القراءة والتأمل والعمل.
وأشهد ـ بحكم قربى منه ومعايشتي لهذه الرحلة ـ أن الرجل لم يكن يومًا هاويًا للكلام أو باحثًا عن ضجيج، بل كان صاحب مشروع فكري وعلمي آمن به بصدق، حتى أصبحتُ أنا أول من نشر له، إيمانًا مني بأن ما يطرحه يستحق أن يُعرض للنقاش والبحث، لا أن يُقابل بالتجاهل.
لكن المؤلم أن العنوان الأبرز في هذه الرحلة لم يكن الجهد وحده، بل ذلك التجاهل القاسي الذي يواجهه كثير من المجتهدين حين يأتون من خارج المؤسسات التقليدية. فالدولة التي تبحث عن التقدم العلمي الحقيقي، كان الأولى بها أن تلتفت بعين البحث والعقل إلى مثل هذه المحاولات الجادة، خاصة حين تنطلق من تدبر آية كريمة من كلام الله، تحمل للأمة أبوابًا واسعة للتفكر والمعرفة.
إن هذا البحث، سواء اتفق معه البعض أو اختلفوا حوله، يبقى تجربة تستحق الاحترام؛ لأنه وُلد من سنوات طويلة من الاجتهاد الصادق، والإيمان بأن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، وأن أبواب التأمل فيه لا تزال مفتوحة أمام العقول التي تملك الشجاعة للبحث، والصبر على الطريق.
علي خليل
==========================
شهادة للتاريخ … رحلة النور بين الاكتشاف والصمت
احمد شعبان محمد
بدأت رحلتي مع النور منذ أن لاحظت ذلك التطابق المدهش بين المثل المضروب في الآية الخامسة والثلاثين من سورة النور، وبين ما يُعرف في العصر الحديث بأجهزة الليزر.
في البداية لم أكن أصدق هذه الملاحظة. حاولت أن أقلبها على جميع الأوجه، وأن أستبعدها من ذهني، لكنني لم أستطع. كان الأمر أكبر من خاطرة عابرة، وأعمق من مصادفة شكلية. فكلما حاولت الهروب منها عادت إليّ أكثر إلحاحًا، حتى وجدت نفسي مدفوعًا إلى البحث في كتب التفسير، لعلني أجد عند السابقين ما يطمئنني أو يفسر لي هذا المثل القرآني العظيم.
لكنني لم أجد إلا تفسيرات يتجه بعضها إلى التأويل، وبعضها الآخر إلى القول بأن المثل تقريبي، أو أن الشجرة المذكورة ليست من شجر الأرض التي نعيش عليها. وهنا بدأت الأزمة الحقيقية؛ لأنني كنت أمام نص قرآني دقيق، ومثل مضروب من الله، بينما التفسيرات المتاحة لا تقدم معنى منضبطًا يمكن للعقل أن يطمئن إليه.
واستمر هذا الحال نحو شهرين، كأنني في حالة انعدام وزن. لا أنا قادر على تجاهل ما رأيت، ولا أنا قادر على قبول ما وجدته في كتب التفسير. ومن هنا بدأت مرحلة التدقيق في معاني الألفاظ الواردة في هذا المثل، خاصة الألفاظ التي بدت مجهولة الدلالة، والتي دفعت كثيرًا من المفسرين إلى التأويل أو إلى عدم القدرة على تقديم معنى معقول.
وقد لاحظت أن مذهب أهل السنة، الذي أنتمي إليه بالوراثة، يحدد للفظ الواحد معاني متعددة، يختار منها المفسر ما يناسب السياق. لكن هذا المنهج أدى في نظري إلى تعدد المعاني، ثم إلى اختلاف التفسيرات، ثم إلى غياب الضبط. فلجأت إلى المعاجم العربية، فلم أجدها أحسن حالًا من كتب التفسير، إذ وجدت المعاني متعددة، متفرعة، متداخلة، بلا معيار حاسم.
ولما كان اتجاهي المعرفي كيميائيًا، فقد اتجهت إلى المنهج العلمي، الذي لم أجد راحة عقلية إلا فيه. وكان التفكير العلمي عندي يقوم على محاولة إيجاد معنى محدد لكل لفظ، لا يختلف باختلاف السياق، وإنما تتعدد دلالاته التطبيقية دون أن يتغير أصله. فكنت أفترض أقرب المعاني إلى الصحة، ثم أختبره في كل الآيات التي ورد فيها اللفظ. فإن استقام في جميع المواضع اطمأننت إليه، وإن شذ في آية أو أكثر عدت أبحث عن فرض آخر، حتى يستقيم المعنى في كل الآيات.
ومن هنا بدأت رحلة أخرى، هي رحلة العرض على أولي الأمر من دينيين وعلميين.
ذهبت أولًا إلى المرحوم الدكتور عبد الرزاق نوفل، الذي كان يفسر القرآن تفسيرًا علميًا، لكنه اعتذر لعدم معرفته بأشعة الليزر، ووجهني إلى الأستاذ خميس البكري، الصحفي بالأهرام، الذي كان ينشر التفسيرات العلمية. وهناك استدعى الأستاذ رائد العطار، الذي اعترض بقوله: كيف تصنع نور الله؟ وكانت هذه العبارة، رغم اعتراضها، لفتة مهمة جدًا؛ لأنها دفعتني إلى البحث في العلاقة بين لفظ الجلالة “الله” والأسماء الحسنى، وبين نور الله بوصفه ملكية إلهية وآية من آياته، لا ذاتًا إلهية تُصنع أو تُحاط.
ثم توجهت إلى إذاعة القرآن الكريم، والتقيت مديرها المرحوم الدكتور كامل البوهي، فاعتذر لعدم علمه بالليزر، وطلب مني أن أحدد له الشخص الذي يمكن أن يرسلني إليه. فلم أجد أمامي إلا الدكتور مصطفى محمود، صاحب برنامج العلم والإيمان. فلما ذهبت إليه أخذ يراوغني أثناء المناقشة، ثم تركني فجأة وهو ينادي على أحد الأشخاص.
وبناءً على نصيحة أحدهم، قمت بإعداد تلخيص مبسط للفكرة في صفحتين، وسجلته تسجيلًا تاريخيًا في الشهر العقاري.
ثم ذهبت إلى نوادي العلوم بالأهرام، والتقيت المهندس سعودي، الذي عرض الفكرة على بعض العلماء. فجاءت الردود بالرفض. قال الدكتور عبد الحافظ حلمي، عميد كلية العلوم بجامعة عين شمس: “أنا غير موافق على الجمع بين هذه الآية الكريمة وما ينسب إليها من معلومات علمية، والله أعلم”. وكان ذلك بتاريخ 3/7/1979.
أما الدكتور محمود خشان، من قسم الطبيعة بكلية العلوم جامعة عين شمس، تخصص ليزر، فقد قدم اعتراضات متعددة، منها أن القول بأن الآية تصور أدق نموذج لأجهزة استخراج أشعة الليزر هو تفسير معتسف، وأن عبارة “الله نور” تعني عنده كل الأنوار التي نرى بها كل شيء، وأن التشبيه في الآية لا يكافئ وصف الجهاز، وأن هناك مصطلحات غير دقيقة مثل “تردد متماسك” و“إشعاع ملون”، وأن المقارنة بين المشكاة والوعاء الرنان تحتاج إلى ضبط، وأن المرايا التي تقوم المشكاة ليست تصورًا علميًا، وأن زيت الزيتون لا يمكن مقارنته بالمادة الفعالة في الليزر، وأن الليزر يحتاج إلى مصدر طاقة خارجي، وأن أشعة الليزر موجهة وليست مشتتة، وأن الرسم الذي استوحيته من الآية تصور شخصي لا يتفق عليه اثنان.
كما اعترض الدكتور عادل النادي، من هندسة القاهرة، قسم الكهرباء، قائلًا إن الخطأ في تكوين فكرة مسبقة من العلم ثم محاولة تلمس سند لها في القرآن، بينما المفروض أن يكون القرآن وحده مصدر الإلهام، ثم يُلتمس لها سند في الخارج.
ثم توجهت إلى أكاديمية البحث العلمي، حيث سجلت الفكرة تحت رقم 419/79. وبعد المناقشة قيل لي إنه لا بد من إنتاج عينة أو جهاز حتى أحصل على براءة اختراع. كما أفادوني بأن ما قمت به يشتت الأشعة عكس أشعة الليزر. ولم أعرف حتى الآن أي منطق لهذا الرد، لأن محور الدراسة لم يكن مجرد جهاز جاهز، بل تطابق بنية المثل القرآني مع بنية أجهزة الليزر.
وبالواسطة استطعت الوصول إلى وزير البحث العلمي الدكتور عادل عز، فأرسلني إلى المركز القومي للبحوث. وهناك ناقشوني، ولم يجدوا ثغرة إلا أن تصميم المشكاة الذي تخيلته لا يلائم مسارات الأشعة. وفي آخر مقابلة معه أفادني بعدم وجود صناعة ليزر في مصر.
ثم ذهبت إلى الدكتورة لطفية النادي، رئيس قسم الطبيعة بكلية علوم القاهرة، وكان ذلك في رمضان. وقد رحبت بالفكرة جدًا، وعرضت عليّ أن أقوم بتنفيذها بنفسي، ودون مساعدة أحد، في معمل الليزر الذي تحت رئاستها، وعرفتني بالدكتور عبد الحارث.
ثم قمت برحلة إلى منطقة سانت كاترين بتاريخ 14 رمضان 1400 هـ، الموافق 26 يوليو 1980، لإحضار عينة من زيت الزيتون المستخرج من شجر هذه المنطقة، لإجراء التجارب عليه، واختبار إمكانية استخراج أشعة الليزر منه. وكان ذلك أول دخول لي إلى سيناء، ولم يكن قد مضى على استلامها من إسرائيل إلا أشهر قليلة. وكنت أبيت في وادي الراحة. ومن الذكريات الجميلة في هذه الرحلة أنني رأيت بيت الله الحرام في منامي ليلة 15 رمضان، في وادي الراحة، ولم أكن رأيته من قبل، ولا رأيته حتى الآن.
لكن ظروف عملي، الذي كان مصدر رزقي الوحيد، حالت دون انتظامي في الذهاب إلى الجامعة، إذ لم أكن أستطيع التغيب إلا في الإجازات. وكلما ذهبت وجدت جهاز العمل معطلًا، فضلًا عما كان في الجامعة حينذاك من اضطرابات ومظاهرات، فخشيت أن يساء فهم وجودي.
وأثناء ترددي على الجامعة تعرفت إلى الدكتورة يسر عز الدين، التي أخبرت أستاذها الدكتور الراعي بالدراسات العليا بالإسكندرية، فذهبت إلى الإسكندرية أكثر من مرة لمقابلته ولم أستطع. ولأن الدكتورة أخبرتني بترحيبه بالفكرة، تركت له عينة من زيت الزيتون الذي أحضرته من دير سانت كاترين، كما تركت عينة أخرى مع الدكتور عبد الحارث.
ثم اشتركت في مسابقة السادات لأبحاث الفضاء، التي كان القائم عليها الدكتور فاروق الباز، ومقررها اللواء مهندس سعد شعبان. وكانت المسابقة تطلب فكرة تصلح لعمل جهاز لا يزيد وزنه على نصف كيلو، يُحمل على مركبة الفضاء كولومبيا، ويكون له إنجاز نافع على الأرض.
ووصلني خطاب بتوقيع الدكتور فاروق الباز يفيد بأن عدد الأفكار المقدمة بلغ 173 فكرة، وأن أوراقي وصلت إليه، ومع الخطاب هدية عبارة عن صور لمناطق من الأرض مصورة من مركبة الفضاء أبولو-سويوز 1975. وبعد مدة طويلة لم أسمع شيئًا عن المسابقة. ثم حضرت ندوة بجامعة عين شمس كان يحاضر فيها المهندس سعد شعبان عن مكوك الفضاء، فسألته عن المسابقة، دون أن أسأله عن فكرتي تحفظًا لحداثة استرداد سيناء. فأفاد بأن كل الأفكار المقدمة لم تكن على المستوى المطلوب، ومع ذلك تم اختيار عشرة متقدمين عشوائيًا وسافروا على نفقة وزارة الشباب والرياضة إلى الخارج، ومنهم من فر ولم يعد إلى مصر. ولما حاولت استكمال الحوار معه قاطعني ولم يستجب.
وقد أتيحت لي فرصة أخرى لمقابلته في المعرض الدولي للكتاب، وكان يحاضر عن الاستشعار عن بعد في حرب الخليج الثانية. فتحدثت أمام الجمهور عن الفكرة، فأشاد بها جدًا وشكرني بطريقة لم أعهدها من قبل، لكنه في النهاية قال إنه لا يعرف عن هذه الفكرة شيئًا من قبل، رغم أنه كان مقررًا للمسابقة. أليس من حقي هنا أن أضع أكثر من علامة استفهام؟
ثم قرأت تفسيرًا علميًا للآية الكريمة يقدمه الدكتور منصور حسب النبي، بكلية البنات جامعة الأزهر، في مجلة أكتوبر، وكان يلجأ فيه إلى التأويل، فيجعل المصباح هو القمر، والزجاجة سطحه، والشمس هي الزيتونة. فتقدمت بمقال ردًا على ذلك، وتم نشره في العدد 203 بتاريخ 14 سبتمبر.
وبعدها بأربعة أسابيع فوجئت بالشيخ الشعراوي، وهو يفسر في الجزء الأول من القرآن الكريم، يحاول شرح الآية حسب التفسير المنشور في المجلة، دون ذكر المصدر. ثم نشر الدكتور منصور ردًا على ما كتبته، وكان فحواه أنه يفضل تفسيره، وكأن المجال مجال تفضيل لا مجال تحقيق.
ثم نُشر رد آخر في المجلة يهاجم كل التفسيرات العلمية للقرآن، ويقول عما نشرته إنه تفسير تقشعر منه الأبدان. ولما حاولت الرد رفض الأستاذ منى إبراهيم مصبح، محرر الصفحة الدينية بالمجلة، بحجة أنه اكتفى برد الدكتور منصور وسوف تطوى هذه الصفحة. وبعدها فوجئت بالشيخ الشعراوي يفسر الآية نفسها، وفي غير موعدها، بالتفسيرات التقليدية القديمة التي تلجأ إلى التأويل، وكأنه يتملص مما قاله سابقًا.
وأرسلت رسالة إلى مؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس السادات، ولم أتلق ردًا.
ثم ذهبت إلى مجمع البحوث الإسلامية، وتقدمت بالدراسة في نحو عشرين صفحة، فجاء الرفض في تقرير من ثلاثين صفحة. وكان الرفض مبنيًا على نقطتين أساسيتين: الأولى، كيف أقول بالمعنى الواحد المحدد لكل لفظ، في حين أن اللفظ الواحد له أكثر من معنى يحدده السياق؟ والثانية، قولهم: تعالى الله عما يصفون، إذ كيف أصنع نور الله؟
لكن أكثر ما جعلني مشدوهًا ما كُتب في نهاية التقرير: “وهنا يمكن للباحث أن يصنع المصباح الذي هو داخل المشكاة على النحو الذي حكاه، إن صح كيميائيًا، فيكون أدل على الظهور لآيات الله، والله الهادي إلى قصد السبيل”. ووقع التقرير باسم محمد مصطفى الحديدي الطير.
ولما حاولت مناقشة الشيخ الطير، قال لي: اصنع التعديلات التي أشرنا بها عليك ونحن نجيز لك الموضوع للنشر، لأن مذهب أهل السنة يقول بتعدد معنى اللفظ الواحد.
واشتركت في المؤتمر الأول للإعجاز العلمي في القرآن الكريم، المنعقد بجامعة الدول العربية بالقاهرة سنة 1986، وتقدمت بالدراسة، لكنها حُجبت بحجة أنها جارية البحث وسوف تعرض في مؤتمر لاحق، ولم يحدث ذلك.
كما اشتركت في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، هيئة الإعجاز العلمي، عضوية رقم 751/ب عام 1991، وأرسلت لهم ملخص الدراسة، ولم أتلق إجابة حتى الآن.
وفي يوم السبت 5/2/2000 حضرت ندوة عن صور الإعجاز العلمي في المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة. وأردت أن أتحدث كما هو متبع في ندوات المعرض، لكن تم رفض طلبي وطلب آخرين، بحجة الخشية من أن يُفهم أن أي شيء يقال أمام أعضاء الهيئة قد أُقر بصحته. وقيل إن من يريد الحديث يجب أن يقدم إليهم موضوع حديثه أولًا لإقراره.
ولعدم وجود منطق في هذا الكلام، قمت وتحدثت متسائلًا عن مدة دراستهم لما يقدم إليهم حتى يتم البت فيه: هل يستغرق الأمر نحو عشرين عامًا كما حدث معي دون أن أتلقى إجابة، أم أن المسألة مجرد فض مجالس؟ فردوا بأنهم سوف يتفاهمون معي بعد الندوة.
وبعد الندوة فوجئت بشخص يتقدم إلى مقرر الندوة ببحث يحمل عنوان بحثي نفسه، ويدعي أنه اكتشفه منذ عام 1992. وبسؤالي له اتضح لي عدم جدية الأمر. وجلسنا مع أعضاء الهيئة، وشرحت لهم موقفي، كما شرحت لهم موضوع البحث، وطلبت من المتقدم الآخر أن يشرح بحثه فتلعثم. وعندها طلب رئيسهم، وكان اسمه حفظ الله، من أعضاء المكتب بالقاهرة عقد ندوة لهذا الموضوع لأهميته. وفعلاً حددوا موعدًا يوم السبت التالي 12/2/2000، وقالوا إنهم سيتصلون لتحديد الساعة، ولم يحدث.
وحين اتصلت بهم اعتذروا، وقالوا بوجوب تسليم نسخة من البحث أولًا، ثم يتم تحديد موعد المناقشة. وعلى الفور قدمت لهم، للمرة الثالثة، صورة من البحث. ثم بدأت المماطلة. وبعد أن ضقت بذلك ذهبت إليهم، وتحدثت مع مدير المكتب، وبيّنت له مدى مللي من الإلحاح، مع أنني لست صاحب حاجة منهم، وإنما هم الجهة المختصة بمثل هذا الموضوع. فوعدني بتسليم إجابة خلال أسبوعين. وبعد ثلاثة أسابيع تسلمت ردًا بتاريخ 7/5/2000، مضمونه أن البحث عُرض على اللجنة الاستشارية، وتبين لها أنه سبق عرضه على جهات علمية أخرى، مما يجعله خارج دائرة بحوث الهيئة، لأنها لا تقبل إلا أبحاثًا لم يسبق عرضها من قبل.
ثم نشرت رسالة في جريدة الأمة إلى السيد الرئيس مبارك، أشكو فيها قادة العلم والفكر والدين في مجتمعنا. كما أرسلت رسالتين إلى مؤسسة الرئاسة، وعند تكرار سؤالي عن إحداهما بقصر عابدين طلب مني ألا أحضر إليهم ثانية حتى يرسلوا إليّ.
وفي مقابلة لي بالعراق في يوليو 1989 مع لطيف نصيف جاسم، سلمتهم ملخص الدراسة، ولم أتلق إجابة. وفي ليبيا، في ديسمبر 1989، ناقشت الدراسة مع الدكتور عبد الرحيم بيومي، عضو مجلس الشورى وأستاذ الجيوفيزياء بقسم الطبيعة بجامعة القاهرة، وقد أبدى انبهارًا بها، وأوصى بمتابعتها بعد رجوعنا إلى مصر. وفعلاً أخبرني بعد ذلك بأن العاملين بمعمل الليزر حاولوا إجراء الاختبارات اللازمة، لكنهم واجهوا مشكلة تحلل جزيئات الزيت أثناء التجارب. وأعتقد أن ذلك ربما كان بسبب عدم استخدام عينة الزيت المستخرج من طور سيناء، أو بسبب قلة الإمكانيات الفنية، أو لأسباب أخرى.
وأثناء وجودي في ليبيا سلمت ملخص الدراسة إلى عمر الحمدي، ولم أتلق إجابة.
وفي النصف الثاني من التسعينيات فوجئت برسالة منشورة في إحدى المجلات، موجهة من الصحفي خميس البكري إلى الشيخ زايد رئيس دولة الإمارات، يناشده فيها بزراعة منطقة طور سيناء بأشجار الزيتون، ويشرح له السبب. وما لفت نظري في هذه الرسالة قوله إن أحد العلماء الأمريكيين من أصل مصري أخبره أن برنامج حرب الكواكب والنجوم الأمريكي يعتمد على تكنولوجيا متقدمة تقوم على استخدامات مبتكرة لأنواع جديدة من أشعة الليزر، وأن هذا العالم، الذي توفي فجأة في ظروف غامضة، أخبره أن الليزر عمومًا ما هو إلا نور، كما أخبره مصري آخر يعيش في باريس أن هذا الليزر الفتاك مصدره زيت زيتون سانت كاترين.
وفي مقابلة مع وزيرة البحث العلمي الدكتورة فينيس كامل بالمعرض الدولي للكتاب، عرضت عليها الموضوع، فأحالتني إلى الدكتور عبد اللطيف الشرقاوي بأكاديمية البحث العلمي. وانصب حديثه معي على سؤال واحد: من الذي سوف يصرف على هذه الدراسة؟ وبذلك انتهى اللقاء.
لكن أثناء حضوري تسجيلًا تلفزيونيًا بقناة MBC يوم 30/12/1999 حول مشكلات البحث العلمي في مصر، وبسؤال الدكتور الشرقاوي عن هذا الموضوع، قال إن التركيبة التي قدمتها تشتت الضوء بعكس أجهزة الليزر، متناسيًا أن محور الدراسة هو تطابق تركيب أجهزة الليزر مع المثل المبين في الآية الكريمة. بل أفاد بأن أشعة الليزر ليست ضوءًا. وهذا هو قول بعض علمائنا والقائمين على أكاديمية البحث العلمي.
وذهبت إلى ندوة بعنوان “الله والكون” بالقنصلية السعودية، في حضور سفيرها، يوم 7 أغسطس 2000، وعرضت هذا الاكتشاف، فقوبل بسلبية تامة بلا تعليق. وذهبت مرة ثانية بعد خمسة عشر يومًا في الندوة التالية لأتلمس رد الفعل، فلم أجد شيئًا.
هذا كله بخلاف العديد من المقالات التي نُشرت في الصحف والمجلات المختلفة، ولكن للأسف الشديد، كأنني أصرخ في تيه.
وأمام كل ما سبق، وأمام يقيني بصحة هذا الموضوع، لا أجد إلا أن أقول إن هذا الاكتشاف سبق زمانه بأكثر من عشرين سنة، بفرض ظهوره الآن. كما أن اكتشاف أشعة الليزر نفسه سبق معرفتنا به بنحو عشرين سنة. وهذا يعني أننا متخلفون عن ركب الحضارة بأكثر من أربعين سنة، لا بسبب نقص العقول، ولكن بسبب عجز مؤسساتنا عن الإصغاء، والمناقشة، والبحث، وحماية ما قد يكون بين أيدينا من إمكانات.
الخاتمة
في النهاية لم يكن لي من كلمة إلا أن أتساءل:
هل عجزت هذه الأمة أن تجد فيما بينها من يستطيع أن يناقش هذا الاكتشاف، مع ما له من أهمية، حتى ألجأ مضطرًا إلى خارجها لمناقشته وإقراره، ثم نهلل له بعد ذلك؟ ألا نصلح إلا للتهليل؟
وهل يجوز أن تظل فكرة بهذا الحجم مطروحة أكثر من عشرين عامًا دون أن تجد جهة علمية أو دينية أو بحثية واحدة تتعامل معها بمنهجية جادة، لا بالرفض المسبق ولا بالمماطلة ولا بالتحصن خلف المذاهب الموروثة؟
لقد انعقدت اجتماعات الجامعة العربية، وانعقدت مؤتمرات العالم الإسلامي، وانعقد مؤتمر الألفية، ومع ذلك ظل التوحد الإسلامي غير وارد بجدية، لا في الفكر السياسي ولا في الفكر الديني، وظلت الأمة مشغولة بالاختلاف بدل أن تبحث عن المنهج الذي يردها إلى كتاب الله بوصفه مرجعية جامعة.
إنني لا أقدم هذه الشهادة طلبًا لمجد شخصي، ولا بحثًا عن اعتراف متأخر، ولكنني أقدمها إدانة لمناخ كامل عطل العقل، وأهدر الطاقات، وحاصر كل محاولة جادة للخروج من أسر التقليد، لعل الأمة تفيق.
ومن هنا يبرز دور مؤسسة رسالة السلام العالمية، بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، بوصفها المشروع الذي لم يكتفِ برفع شعار العودة إلى القرآن، بل جعل من القرآن مرجعية للوعي، ومن السلام منهجًا للحياة، ومن تصحيح الفهم طريقًا لإنقاذ الإنسان من ظلمات التراث الجامد والاختلاف الممزق.
فما عجزت عنه المؤسسات التقليدية لعقود، تسعى مؤسسة رسالة السلام إلى فتح أبوابه من جديد: باب القرآن، باب المنهج، باب العقل، باب الرحمة، وباب النور.