على خليل : حين تصرخ تل أبيب… ماذا عن صرخات غزة؟

ماذا عن صرخات غزة ؟
في مشهد يبدو مألوفًا في السياسة الدولية، سارعت إسرائيل إلى التوجه نحو مجلس الأمن، متهمة إيران باستخدام أسلحة “محرّمة دوليًا”
على رأسها الذخائر العنقودية، التي تُعد من أكثر الأسلحة إثارة للجدل بسبب تأثيرها العشوائي على المدنيين.
التقارير التي تحدثت عن صواريخ تحمل عشرات القنابل الفرعية، تنتشر على مساحات واسعة دون تمييز، أعادت إلى الواجهة نقاشًا قديمًا: من يحدد قواعد الحرب؟ ومن يلتزم بها؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا لم يكن تقنيًا أو عسكريًا، بل كان أخلاقيًا في المقام الأول.
على مدار عقود، وثّقت منظمات دولية وحقوقية استخدام أسلحة شديدة التدمير ومحرمة دوليا في الأراضي الفلسطينية، خاصة في قطاع غزة.
حيث الكثافة السكانية العالية تجعل أي سلاح واسع التأثير كارثيًا بطبيعته. تقارير صادرة عن جهات حقوقية دولية تحدثت عن استخدام قنابل ذات تأثير واسع.
وذخائر تترك آثارًا طويلة الأمد على المدنيين والبنية التحتية. دون أن يتحول ذلك دائمًا إلى قضية طارئة بنفس الزخم على طاولة المجتمع الدولي.
اليوم، ومع تغير مسار الصواريخ واتجاهها، تبدو الصورة مختلفة. المدن التي لم تعتد أن تكون في موقع التلقي، تواجه الآن سيناريوهات كانت تُعرض لسنوات على شاشات الأخبار القادمة من غزة.
وهنا يظهر التناقض الصارخ: عندما يكون الخطر بعيدًا، يصبح توصيفه سياسيًا، وعندما يقترب، يتحول فجأة إلى قضية إنسانية عاجلة.
أرقام لا تُحتمل قتلت باسلحة اسرائيلية محرمة تجرب لاول مرة
وبعيدًا عن الجدل السياسي والعسكري، تبقى الأرقام هي الشاهد الأكثر قسوة على ما يجري. فوفقًا لتقارير رسمية وجهات أممية، سقط في قطاع غزة عشرات الآلاف من الضحايا خلال جولات التصعيد الأخيرة.
كان من بينهم نسبة كبيرة من المدنيين، حيث تشير التقديرات إلى سقوط أكثر من10 آلاف طفل، وما يزيد عن 7 آلاف امرأة، إلى جانب عشرات الآلاف من الشباب بين قتيل ومصاب.
وآلاف من كبار السن الذين لم يتمكنوا من النجاة. هذه الأرقام لا تُقرأ فقط كإحصاءات، بل كقصص إنسانية مكتملة، حيث كل رقم يمثل حياة انتهت، وعائلة تغيّر مصيرها إلى الأبد.
وإذا كانت أرقام القتلى صادمة، فإن أعداد الجرحى تكشف وجهًا أكثر قسوة للحرب. تقارير طبية وإنسانية تشير إلى وجود آلاف المصابين بإصابات بالغة.
من بينهم أعداد كبيرة تعرضوا لبتر في الأطراف نتيجة القصف والانفجارات، في مشهد يعكس حجم الدمار الذي لا يتوقف عند لحظة الانفجار، بل يمتد لسنوات طويلة في حياة الضحايا.
كثير من هؤلاء سيعيشون بإعاقات دائمة، في ظل منظومة صحية تعاني من ضغط هائل ونقص في الإمكانيات، ما يجعل إنقاذ المصابين تحديًا يوميًا.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال لا يقل قسوة عن الأرقام نفسها: من يُحاسب؟ مع استمرار العمليات، ووسط صمت أو عجز دولي واضح، تتزايد التساؤلات حول فعالية القوانين الدولية.
وقدرتها على حماية المدنيين أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن العدالة، في كثير من الأحيان، لا تصل بالسرعة التي تصل بها الصواريخ.
وهنا يظهر السؤال التالي :
اذا اارتم معاقبة ايران لاستخدامها اسلحة محرمة دوليا ضد الاسرائليين من يعاقب اسرائيل ؟
وفي هذا السياق، تبرز واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في المشهد الدولي، وهي صدور مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب. ورغم خطورة هذا الإجراء، الذي يُفترض أن يمثل خطوة نحو تحقيق العدالة الدولية، إلا أن الواقع يعكس صورة مختلفة.
حيث لم يتم تنفيذ القرار حتى الآن، وما زال نتنياهو يتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا ويتوسع فى استخدام الاسلحة المحرمة فى لبنان دون قيود واضحة.!!!!!!
هذا المشهد يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية المنظومة القانونية الدولية، وقدرتها على فرض قراراتها على جميع الأطراف دون استثناء.
فإذا كانت قرارات العدالة الدولية لا تُنفذ، فهل تصبح مجرد أدوات سياسية؟ وهل يفقد القانون الدولي هيبته عندما يتوقف عند حدود معينة دون غيرها؟
في تلك اللحظات، لم تكن لغة “الأسلحة المحرّمة” حاضرة بنفس القوة في الخطاب الدولي، ولم تتحول إلى قضية طارئة على طاولة مجلس الأمن بنفس الزخم.
اليوم، ومع تغير مسار الصواريخ واتجاهها، تبدو الصورة مختلفة.
المدن الإسرائيلية التي لم تعتد أن تكون في موقع التلقي، تواجه الآن سيناريوهات كانت تُعرض لسنوات على شاشات الأخبار القادمة من غزة.
وهنا يظهر التناقض الصارخ:
عندما يكون الخطر بعيدًا، يصبح توصيفه سياسيًا وعندما يقترب، يتحول فجأة إلى قضية إنسانية عاجلة.
لا أحد ينكر خطورة الأسلحة ذات التأثير العشوائي، ولا أحد يمكنه تبرير استخدامها ضد المدنيين في أي مكان.
لكن العدالة الحقيقية لا تُجزّأ، والقانون الدولي لا يفقد معناه فقط عند تطبيقه، بل عند انتقائيته.
ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته فقط كتصعيد عسكري، بل كمرآة تعكس خللًا أعمق في النظام الدولي، حيث تُقاس المعاناة بمعايير مزدوجة، وتُسمع بعض الأصوات أعلى من غيرها.
لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا أن العدالة، في كثير من الأحيان، لا تصل بالسرعة التي تصل بها الصواريخ.
بين السياسة والدين: قراءة المشهد
في الشارع العربي، يذهب البعض إلى تفسير ما يحدث باعتباره نوعًا من العدالة الإلهية أو ارتدادًا لسنوات من العنف.
بينما يرى آخرون أن ما يجري هو نتيجة مباشرة لتصعيد سياسي وعسكري طويل، يقوده قادة مثل بنيامين نتنياهو، وبغطاء امريكى يقوده ترامب في سياق صراع معقد تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية.
لكن، وبعيدًا عن أي تفسير، تبقى الحقيقة الأهم: المدنيون هم من يدفعون الثمن دائمًا.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام لحظة قد تعيد تعريف قواعد الاشتباك والعدالة الدولية؟
أم مجرد فصل جديد من نفس القصة… حيث يتغير اللاعبون، لكن القواعد تظل كما هي؟