من كان يحكم لبنان فعلًا؟ ولماذا كان الجميع يهرول إلى دمشق؟

9 فعلًا؟ أم كنّا ساحة تتنازعها العواصم، فيما السياسي اللبناني يتنقّل بينها باحثًا
عن رضى الخارج أكثر من رضى شعبه؟
شرعية السلاح… بين مقاومةٍ محاصرة وقواعد عسكرية عابرة للقارات

بقلم: د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي 

في عالم السياسة لا تُقاس الشرعية دائمًا بمبدأٍ ثابت، بل كثيرًا ما تُقاس بحجم النفوذ والقوة والمصلحة.
فالدول الكبرى تستطيع نشر قواعدها العسكرية في عشرات الدول حول العالم تحت عناوين “الأمن الدولي” و“التحالفات الدفاعية”، بينما تُفتح أبواب الجدل والاتهامات فور الحديث عن سلاح مقاومة محلية تواجه احتلالًا أو تهديدًا مباشرًا.

تمتلك دول كبرى وإقليمية حضورًا عسكريًا ونفوذًا خارج حدودها، وتُبرّر ذلك بحماية المصالح الاستراتيجية أو الأمن القومي أو الاستقرار الدولي.

فالولايات المتحدة تمتلك شبكة هائلة من القواعد العسكرية المنتشرة في أوروبا والخليج وآسيا وإفريقيا، من ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا إلى اليابان وقطر والبحرين والكويت وسوريا والعراق، وتعتبر هذا الانتشار جزءًا من حماية النظام الدولي ومصالحها الاستراتيجية.

كما تحتفظ فرنسا بوجودٍ عسكري وقواعد ونفوذ مباشر في عدد من الدول الإفريقية والخارجية، لا سيّما في جيبوتي وتشاد والساحل الإفريقي، تحت عنوان حماية المصالح الفرنسية ومحاربة الإرهاب.

أما بريطانيا، فما زالت تحتفظ بحضور عسكري وقواعد وتسهيلات دفاعية في مناطق مختلفة، أبرزها في قبرص والخليج العربي، ضمن سياستها الأمنية والعسكرية العالمية.

وإيطاليا بدورها تشارك في قواعد ومهمات عسكرية خارج حدودها، سواء ضمن قوات “الناتو” أو عبر انتشارها في البحر المتوسط والعراق ولبنان ومناطق أخرى تحت رايات دولية مختلفة.

فـروسيا تمتلك قواعد ونفوذًا عسكريًا في سوريا وغيرها، بينما وسّعت تركيا حضورها العسكري في العراق وسوريا وليبيا وقطر والصومال.
أما الصين فقد دخلت مرحلة التمدّد العسكري الخارجي عبر قواعد ونفوذ بحري واستراتيجي متزايد، خصوصًا في إفريقيا والممرّات التجارية الدولية.
كذلك تعمل الهند واليابان على تعزيز حضورهما الدفاعي والعسكري خارج حدودهما عبر اتفاقيات أمنية وتحالفات وقواعد لوجستية مرتبطة بحماية خطوط التجارة والطاقة.
وفي المقابل، تعتمد إيران على بناء النفوذ عبر الحلفاء والتنظيمات المرتبطة بها في أكثر من ساحة إقليمية.

لكن عندما تمتلك مقاومة محلية سلاحًا لمواجهة إسرائيل، الدولة التي احتلت أراضي عربية وشنّت اجتياحات وحروبًا متكررة، يتحوّل النقاش فجأة إلى سؤال عن “شرعية السلاح” و“احتكار الدولة للقوة”.

هنا يظهر التناقض الذي يطرحه كثيرون:
كيف يصبح وجود آلاف الجنود الأجانب والقواعد العسكرية العابرة للقارات أمرًا طبيعيًا ومشروعًا، بينما يُعتبر سلاح مقاومة نشأت في بيئة احتلال وتهديد دائم موضع إدانة دائمة؟

التاريخ نفسه يكشف أنّ مفهوم “الشرعية” ليس ثابتًا كما يُصوَّر.
فقد دعمت قوى دولية كبرى جماعات مسلحة عديدة عندما التقت مع مصالحها السياسية والاستراتيجية. ففي زمن الحرب الباردة، جرى دعم المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفيتي وتقديمهم كـ“مقاتلي حرية”، ثم تغيّرت النظرة لاحقًا مع تغيّر المصالح والتحالفات.

كما حظيت قوات سوريا الديمقراطية وغيرها من التنظيمات المسلحة بدعم سياسي وعسكري غربي واسع بسبب قتالها لتنظيم داعش ومواجهتها للنظام السوري السابق في مراحل معيّنة، بينما تعتبرها تركيا تهديدًا إرهابيًا يمسّ أمنها القومي.

أما منظمة التحرير الفلسطينية، فقد انتقلت من تصنيف “منظمة إرهابية” في نظر بعض الدول إلى شريك سياسي معترف به دوليًا بعد اتفاق أوسلو.
حتى الجيش الجمهوري الإيرلندي، الذي خاض صراعًا طويلًا مع المملكة المتحدة، انتهى به الأمر إلى المشاركة السياسية بعد اتفاق الجمعة العظيمة.

وفي لبنان أيضًا، لا يمكن تجاهل أنّ سنوات الحرب الأهلية اللبنانية شهدت دعمًا خارجيًا متعدّد الاتجاهات لميليشيات وقوى مسلحة مختلفة، فأحزاب وتنظيمات عديدة خاضت الحرب، وتلقّت دعمًا من قوى إقليمية ودولية متباينة، ثم جاء اتفاق الطائف ليُنهي الحرب ويُدخل معظم هذه القوى نفسها إلى الحياة السياسية والسلطة، حيث أصبحت شريكة في الحكم حتى يومنا هذا.

وهنا يبرز سؤال جوهري:
إذا كانت الحرب الأهلية قد انتهت بتسوية شرعنت مشاركة قوى حملت السلاح لعقود، فلماذا يُطرح مفهوم الشرعية أحيانًا بمعايير مختلفة تبعًا للتحالفات والاصطفافات السياسية؟

كل ذلك يثبت أنّ العالم لا يتعامل دائمًا بمعيار واحد.
فالقوة التي تنسجم مع المصالح الدولية قد تُمنح شرعية، بينما تُحاصَر قوة أخرى لأنها تقف خارج المنظومة السياسية التي تريدها القوى الكبرى.

وفي الحالة اللبنانية، يبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل المشكلة فعلًا في مبدأ المقاومة بحد ذاته، أم في هوية الجهة الداعمة لها، وفي موقعها ضمن الصراع الإقليمي والدولي؟
وهل كان سلاح المقاومة سيُواجَه بالحملة نفسها لو كان مدعومًا من دولة حليفة للغرب بدل إيران؟

أسئلةٌ لا تزال حتى اليوم تُقسم اللبنانيين والعرب، وتكشف أنّ مفهوم “الشرعية” في السياسة الدولية غالبًا ما يخضع لموازين القوة أكثر ممّا يخضع لمعايير ثابتة..
“ربما لم تكن المشكلة يومًا في السلاح نفسه، بل في هوية من يحمله…
وهنا يبقى السؤال الأكبر.. لماذا يحقّ لهم ما لا يحقّ لغيرهم؟”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى