ما بين الردّ الإيراني والرفض الأميركي… إلى أين يذهب الشرق الأوسط؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

بين الردّ الإيراني والرفض الأميركي، يقف الشرق الأوسط اليوم على حافة مرحلة شديدة الحساسية، حيث لم تعد الأزمة مجرّد خلاف سياسي عابر، بل تحوّلت إلى صراع إرادات مفتوح تُرسم حدوده بالنار والضغوط والرسائل العسكرية المتبادلة.

إيران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تمنع استباحتها أو فرض الشروط عليها بالقوة، وتطالب برفع العقوبات الاقتصادية التي أنهكت اقتصادها لسنوات، والإفراج عن أموالها المجمّدة والمحجوزة في الخارج، والاعتراف بحقّها في امتلاك برنامج نووي سلمي ضمن إطار السيادة الوطنية، إضافة إلى وقف محاولات محاصرتها سياسيًا وعسكريًا أو استهداف نفوذها الإقليمي. كما تريد طهران ضمانات حقيقية بعدم تكرار الانسحاب الأميركي من أي اتفاق مستقبلي، بعدما فقدت الثقة بالالتزامات الغربية منذ انهيار الاتفاق النووي السابق.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة متمسكة بمنع أي تحوّل استراتيجي قد يمنح إيران نفوذًا أكبر في المنطقة، وتضغط بقوة من أجل تقليص قدراتها النووية، والحدّ من نفوذها العسكري والسياسي، وضبط برنامج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى محاصرة الدور الإقليمي لحلفائها الممتدّ من الخليج إلى البحر المتوسط.

لكن الأخطر من التصريحات السياسية هو ما يجري خلف الكواليس:
حشود عسكرية، استنفار بحري وجوي، رسائل نارية متبادلة، وتحريك متزامن لملفات المنطقة دفعة واحدة، من الخليج ومضيق هرمز، إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى لبنان والعراق وسوريا.

فالمنطقة اليوم لا تعيش حربًا شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها أيضًا لم تعد تعرف معنى الاستقرار الحقيقي. بل تبدو وكأنها تدخل مرحلة “الاشتباك المضبوط”، حيث يحاول الجميع رفع سقف الضغط إلى أقصى حدّ ممكن… من دون الانزلاق الكامل إلى الانفجار الكبير.

المشكلة أنّ الشرق الأوسط ليس ساحةً عادية يمكن احتواء أخطائها بسهولة.
فأي ضربة غير محسوبة، أو اغتيال، أو استهداف مباشر، قد يدفع المنطقة إلى سلسلة ردود متدحرجة يصعب السيطرة عليها، خصوصًا مع تشابك الجبهات وتداخل المصالح الدولية والإقليمية.

إسرائيل تراقب بقلق، والخليج يعيش هاجس الأمن والطاقة، وأوروبا تخشى انفجارًا جديدًا يهدّد الاقتصاد العالمي وأسواق النفط والممرات البحرية، فيما تقف الشعوب العربية أمام مشهد ضبابي تخشى فيه أن تتحوّل أوطانها مجددًا إلى ساحات صراع مفتوح.

أما لبنان، فيبقى من أكثر الدول تأثرًا بأي تصعيد، لأن موقعه الجغرافي والسياسي يجعله دائمًا قريبًا من خطوط النار، ولأن أي مواجهة كبرى في المنطقة قد تنعكس عليه اقتصاديًا وأمنيًا وحتى داخليًا.

وفي الشرق الأوسط، لا تحتاج الحروب دائمًا إلى قرار رسمي كي تبدأ…
أحيانًا يكفي خطأ واحد في الحسابات، أو رسالة ميدانية خرجت عن السيطرة، ليتحوّل “الردّ المحدود” إلى حريقٍ إقليمي لا أحد يعرف كيف سينتهي، ولا كم سيكلّف شعوب المنطقة من دماءٍ وخراب..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى