محمد غزال رئيس حزب مصر 2000 : الحرب الحالية ليست عسكرية فقط بل صراع إستراتيجي على مستقبل الشرق الأوسط | 

في لحظات التحولات الكبرى لا تكون الحروب مجرد تبادل للضربات العسكرية، بل تتحول إلى معارك على شكل العالم القادم. وما يشهده الشرق الأوسط اليوم من تصعيد غير مسبوق بين إيران من جهة، و**الولايات المتحدة** و**إسرائيل** من جهة أخرى، يبدو أقرب إلى مواجهة إستراتيجية مفتوحة قد تعيد رسم خريطة القوة والنفوذ في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.

فالصواريخ التي تنطلق، والضربات التي تُنفذ، ليست سوى الواجهة الظاهرة لصراع أعمق يدور حول النفوذ والردع ومستقبل التوازنات الإقليمية، في وقت تتشابك فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة والتحالفات الدولية.

في هذا السياق، أجرينا هذا الحوار مع المفكر السياسي محمد غزال رئيس حزب مصر 2000، الذي قدّم قراءة تحليلية معمقة لطبيعة الصراع الدائر، وأبعاده الإستراتيجية، واحتمالات تطوره خلال المرحلة المقبلة.

: بداية.. كيف تقرأ طبيعة الصراع الدائر حالياً بينإيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؟

المفكر السياسي محمد غزال:

في تقديري، ما يحدث في المنطقة اليوم يتجاوز بكثير فكرة المواجهة العسكرية التقليدية أو الضربات التكتيكية المحدودة. نحن أمام صراع إستراتيجي واسع يدور حول مستقبل موازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

الضربات العسكرية المتبادلة ليست سوى جزء من مشهد أوسع يتعلق بمحاولة إعادة تشكيل الخريطة الأمنية والسياسية للمنطقة. لذلك فإن فهم هذا الصراع يتطلب النظر إليه باعتباره مواجهة متعددة الأبعاد، تشمل البعد العسكري والسياسي والاستراتيجي، وليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة.

: ما دلالة الضربات العسكرية التي استهدفت الأراضي الإيرانية خلال الفترة الأخيرة؟

المفكر السياسي محمد غزال:

المفكر السياسي محمد غزال: المفكر السياسي محمد غزال:لطبيعة النوعية للأهداف التي تعرضت للضرب داخل إيران تعكس بوضوح أن المسألة لا تقتصر فقط على تعطيل البرنامج النووي الإيراني.

الضربات استهدفت مقار عسكرية، ومصانع ذخيرة وتسليح، ومنشآت مرتبطة بتصنيع الصواريخ والقذائف، إضافة إلى مخازن أسلحة ومواقع لوجستية مرتبطة بالبنية الدفاعية الإيرانية. وهذا يشير إلى أن الهدف الحقيقي هو تقليص القدرات العسكرية الإيرانية بصورة أوسع.

بمعنى آخر، هناك محاولة لإضعاف قدرة إيران على إدارة صراع طويل الأمد وتقليص قدرتها على الردع في الإقليم، وهو ما يمثل أحد الأهداف الأساسية لأي استراتيجية تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.

: البعض يرى أن هناك غموضاً في الأهداف الأمريكية من هذه المواجهة.. هل تتفق مع ذلك؟

المفكر السياسي محمد غزال: 

نعم، القراءة المتأنية للخطاب السياسي في الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة تكشف عن قدر من التباين في الأهداف المعلنة.

في بعض الأحيان يتم الحديث عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، وفي أحيان أخرى يبرز خطاب يدعم الاحتجاجات الداخلية داخل إيران، أو يتحدث عن إمكانية تغيير النظام، بينما يركز خطاب آخر على تحجيم القدرات الصاروخية الإيرانية.

هذا التباين يعكس قدراً من عدم الوضوح في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، وهو أمر قد تكون له تداعيات مهمة على مسار الصراع، لأنه قد يؤدي إلى إطالة أمد المواجهة وتحويلها إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من حسمها سريعاً.

: وماذا عن الحسابات الإستراتيجية الإسرائيلية في هذه الحرب؟

المفكر السياسي محمد غزال:

في تقديري، تبدو الحسابات في إسرائيل أكثر وضوحاً من الناحية الاستراتيجية.

إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، سواء من خلال استهداف القدرات العسكرية المباشرة لإيران أو من خلال الحد من نفوذها الإقليمي.

الهدف النهائي لهذا التوجه يتمثل في إضعاف إيران إلى درجة تجعلها دولة محدودة التأثير في معادلات الشرق الأوسط. وإذا تحقق هذا الهدف، فإن ذلك سيؤدي بطبيعة الحال إلى إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة بشكل يمنح إسرائيل وحلفاءها موقعاً أكثر قوة داخل النظام الإقليمي.

: في المقابل.. ما مدى قدرة إيران على الصمود في مواجهة هذه الضغوط؟

المفكر السياسي محمد غزال:

إيران تمتلك خصوصية في بنيتها السياسية والأمنية. فالنظام الإيراني يقوم منذ تأسيسه على عقيدة سياسية وأمنية تُعرف بعقيدة “المقاومة”، وهي تقوم على فكرة الصمود أمام الضغوط الخارجية وتحويل الصراع إلى معركة طويلة الأمد تستنزف الخصوم.

إلى جانب ذلك، فإن طبيعة النظام السياسي الإيراني تقوم على تعدد المؤسسات وتوزيع مراكز القرار بين مؤسسات سياسية ودينية وعسكرية، وهو ما يمنح الدولة قدرة معينة على الاستمرار في إدارة الأزمات حتى في الظروف الصعبة.

هذه العوامل مجتمعة قد تمنح إيران قدرة على الصمود لفترة أطول مما يتوقعه البعض.

: هل يمكن أن تؤثر مسألة القيادة داخل إيران على مستقبل الصراع؟

المفكر السياسي محمد غزال:

لتأكيد، ملف القيادة داخل إيران يعد من الملفات الحساسة في أي قراءة استراتيجية لمستقبل الصراع.

لكن في الوقت ذاته يجب الإشارة إلى أن النظام الإيراني يمتلك آليات مؤسسية تسمح بإدارة الدولة حتى في ظل الأزمات الكبرى، من بينها مجلس الأمن القومي ومجلس خبراء القيادة، إضافة إلى الدور الكبير الذي يلعبه الحرس الثوري الإيراني داخل المنظومة الأمنية والعسكرية.

وجود هذه المؤسسات يعني أن الدولة الإيرانية ليست معتمدة على مركز واحد للقرار، بل على منظومة مؤسسية كاملة، وهو ما يمنحها قدراً من الاستقرار المؤسسي حتى في أوقات الأزمات.

: تحدثت عن دور الحرس الثوري.. كيف تقيم تأثيره في إدارة الصراع الحالي؟

المفكر السياسي محمد غزال:

  • الحرس الثوري الإيراني يمثل أحد أهم مراكز القوة داخل الدولة الإيرانية.

خلال السنوات الماضية اكتسب الحرس الثوري خبرة واسعة نتيجة انخراطه في عدد من الصراعات الإقليمية، وهو ما جعله يلعب دوراً مؤثراً في صياغة السياسات الدفاعية والاستراتيجية لإيران.

لكن في الوقت ذاته يجب التأكيد على أن النظام الإيراني لا يقوم على سيطرة مطلقة لمؤسسة واحدة، بل على توازن معقد بين عدة مؤسسات سياسية ودينية وعسكرية.

: في ظل هذا التصعيد.. هل ما زالت هناك فرصة للتوصل إلى تسوية سياسية؟

المفكر السياسي محمد غزال:

في الوقت الراهن تبدو فرص التفاوض محدودة، خاصة في ظل حالة انعدام الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تعمقت بعد التصعيد العسكري الأخير.

لكن التاريخ السياسي يشير إلى أن الصراعات الكبرى غالباً ما تنتهي في نهاية المطاف إلى طاولة المفاوضات، خاصة عندما تصل الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى خسائر استراتيجية للجميع.

: كيف يمكن أن تؤثر هذه الحرب على مستقبل البرنامج النووي الإيراني؟

المفكر السياسي محمد غزال:

التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول التي تتعرض لضغوط عسكرية مباشرة غالباً ما تعيد تقييم استراتيجياتها الدفاعية.

وفي بعض الحالات قد يدفع ذلك الدول إلى تعزيز قدراتها العسكرية بصورة أكبر وربما إعادة النظر في سياساتها المتعلقة ببرامج الردع الاستراتيجي.

وبالتالي فإن استمرار الضغوط العسكرية قد يؤدي في المستقبل إلى نتائج عكسية من خلال دفع إيران إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل أكبر.


: أخيراً.. كيف ترى انعكاسات هذه الحرب على مستقبل الشرق الأوسط؟

المفكر السياسي محمد غزال:

  • نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة.

نتائج هذه الحرب لن تقتصر فقط على إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل ستنعكس على مجمل التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.

أي تغير في ميزان القوى بين هذه الأطراف سيؤثر بشكل مباشر على بنية النظام الإقليمي وعلى طبيعة التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.

لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة في إدارة الصراعات الإقليمية، لأن الانزلاق إلى مواجهات أوسع قد يحمل تداعيات خطيرة ليس فقط على أمن الشرق الأوسط، بل على الأمن الدولي بأكمله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى