على أيِّ قبرٍ تريدون أن نبني السلام؟

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
يصرّ بعض السياسيين على الدعوة إلى الحوار واتفاقيات السلام باعتبارها الطريق الأقصر نحو الاستقرار وإنهاء الصراعات. لكن شريحة واسعة من اللبنانيين تطرح سؤالاً مشروعاً ومؤلماً في آن واحد، كيف يمكن الحديث عن السلام فيما لا يزال الجيش اللبناني يتعرض للاستهداف ويسقط من صفوفه شهداء أثناء أداء واجبهم الوطني، وكان آخرهم الشهداء العميد وسام صبرا والنقيب إيلي خوري والمجند حسين الغزال، فيما لا تتوقف أيضاً معاناة المدنيين الذين دفعوا وما زالوا يدفعون أثماناً باهظة من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم؟
فالحديث عن السلام لا يتعلق فقط بحماية الحدود، بل أيضاً بحماية الإنسان. فالأم التي فقدت ابنها، والطفل الذي هُجّر من منزله، والعائلة التي خسرت مصدر رزقها، جميعهم ينظرون إلى الواقع من زاوية مختلفة عن البيانات السياسية والخطابات الدبلوماسية.
والأكثر غرابة من الاعتداءات نفسها هو إصرار بعض السياسيين وأصحاب المنابر على تسويق فكرة السلام وكأن لبنان يعيش حالة طبيعية من الأمن والاستقرار. يتحدثون عن الغد المشرق، وعن شرق أوسط جديد، وعن المنافع الاقتصادية والسياحية، فيما لا تزال دماء اللبنانيين شاهدة على واقع مختلف تماماً.
بعضهم يحلم باليوم الذي يجلس فيه في مقهى في تل أبيب، وبعضهم يتحدث بحماسة عن فتح السفارات والعلاقات الطبيعية، وبعضهم يتخيل استقبال جيشٍ كان في نظر معظم اللبنانيين عدواً لعقود طويلة وكأن الذاكرة الوطنية يمكن أن تُمحى بجملة سياسية أو بخطاب إعلامي. لكن ما يغيب عن هؤلاء أن الشعوب لا تبني مواقفها على الأحلام والشعارات، بل على الوقائع والدماء والتجارب التي عاشتها.
من هنا، يجد كثير من اللبنانيين صعوبة في فهم الخطابات التي تتحدث عن سلام قريب أو تفاهمات جديدة بينما تستمر الاعتداءات والخروقات العسكرية ويسقط عسكريون ومدنيون ضحايا لها. فالثقة لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تؤكد وجود إرادة حقيقية لاحترام السيادة والحدود والقوانين الدولية وحماية حياة الأبرياء.
ثم ماذا سنقول لعائلات الشهداء؟ ماذا سنقول لأمٍّ انتظرت ابنها فعاد إليها ملفوفاً بالعلم اللبناني؟ وماذا سنقول لزوجةٍ ترمّلت، أو لطفلٍ كبر يتيماً لأن والده سقط وهو يؤدي واجبه؟
هل سنكتفي بالقول لهم، “العوض بسلامتكم”؟ هل سنخبرهم أن أبناءكم قُتلوا من أجل الوصول إلى اتفاقية سلام؟ وهل تُقاس تضحيات الجنود والمدنيين بعدد التواقيع على الأوراق أو بعدد المصافحات أمام عدسات الكاميرات؟
إن دماء الشهداء ليست تفصيلاً في مفاوضات سياسية، وليست بنداً يمكن تجاوزه في أي تسوية. فكل شهيد سقط ترك خلفه عائلة وذكريات وحلماً لم يكتمل، وترك في وجدان الوطن سؤالاً كبيراً عن معنى العدالة والسيادة والكرامة الوطنية.
ولا يتعلق الأمر برفض مبدأ السلام بحد ذاته، فالشعوب بطبيعتها تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية. لكن المشكلة تكمن في الفجوة الهائلة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. فعندما يرى المواطن أن جيشه يتعرض للاستهداف، وأن المدنيين يسقطون ضحايا، وأن سيادة بلده موضع انتهاك، يصبح من الطبيعي أن يتساءل: أيُّ سلامٍ هذا الذي يُطلب منا الإيمان به؟
إن السلام الذي يصمد هو السلام القائم على الاحترام المتبادل والالتزام المتكافئ بالحقوق والواجبات. أما السلام الذي يُطرح فيما تستمر أعمال العنف والانتهاكات، فإنه يواجه أزمة ثقة عميقة لدى الرأي العام مهما كانت الشعارات التي تُرفع باسمه.
ولهذا، فإن المدخل الحقيقي لأي سلام مستدام لا يبدأ من البيانات السياسية، بل من احترام سيادة الدول، وحماية جيوشها الوطنية، وصون حياة المدنيين، ووقف كل ما يهدد أمن الشعب وكرامته.
أما الذين يطالبون اللبنانيين بالإسراع نحو السلام، فأقول لهم، لا تطلبوا من شعبٍ يدفن أبناءه أن يحتفل باتفاقيات لم يلمس نتائجها، ولا تطلبوا من أمٍّ فقدت ولدها أن تصدّق الوعود قبل أن ترى الأفعال.
فالسلام ليس صورة تذكارية، وليس خطاباً انتخابياً، وليس حلماً رومانسياً يُرسم على الورق. السلام هو أمن وسيادة وكرامة وعدالة.
لذلك أقول لمن يريد السلام مع إسرائيل، سلّموا لي أولاً على شيء اسمه سلام، ثم تعالوا نناقش اتفاقية السلام.
وإلى عائلاتهم أقول لا كلمات تستطيع أن تخفف وجع الفقدان، لكن عزاءكم أن أسماء أحبائكم لن تُختصر في خبرٍ عابر، ولن تُمحى من ذاكرة الوطن. فقد رحلوا وبقيت تضحياتهم شاهدة على مرحلة من تاريخ لبنان كُتبت بالدموع والدم.
المجد للشهداء، والرحمة للأبرياء، وليحفظ الله لبنان وأهله وجيشه من كل سوء…
هذه ليست حرباً تُنهيها الضربة الأخيرة… بل صراعٌ يُدار ليبقى
يسأل كثيرون إذا لم ينتصر أحد، فلماذا لم تنتهِ الحرب؟ وإذا كان الدمار قد طال الجميع، من الجنوب إلى الضاحية، ومن مدن إسرائيل إلى الداخل الإيراني، فلماذا لا تتوقّف؟ الجواب الصريح، وإن كان قاسياً، هو أنّ هذه الحرب لا تُدار بهدف الحسم، بل بهدف الاستمرار تحت سقفٍ مضبوط.
ما نشهده اليوم ليس حرباً تقليدية بين جيشين يسعيان إلى نصرٍ واضح، بل نمطٌ مختلف من الصراعات، حيث تمتلك الأطراف القدرة على الإيذاء، لكنها تفتقد القدرة ـ أو الإرادة ـ على الحسم الكامل. في مثل هذا الواقع، يصبح التوازن قائماً على “تبادل الألم”، لا على تحقيق الانتصار. كلّ طرف يضرب، ويتلقّى الضرب، ثم يعيد التموضع دون أن يذهب
إلى النهاية.
إنّ الولايات المتحدة، رغم قوّتها، لا تتصرّف على قاعدة إسقاط إيران، بل على قاعدة احتوائها ومنعها من التمدّد أكثر. وفي المقابل، لا تسعى إيران إلى حربٍ شاملة، بل إلى تثبيت معادلة ردع تُبقي خصومها تحت الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى. أمّا إسرائيل، فهي تضرب لتُضعف وتردع، لا لتدخل حرباً طويلة مفتوحة قد تستنزفها داخلياً.
هنا تحديداً تتّضح الصورة، الحرب مستمرّة لأنّ كلفة إنهائها أعلى من كلفة استمرارها. فالحسم يتطلّب مواجهةً شاملة قد تفتح أبواب المنطقة على فوضى غير قابلة للسيطرة، تشمل تعطّل الملاحة، وانهيارات اقتصادية، وربّما انخراط قوى دولية بشكلٍ مباشر. لذلك، يُفضّل الجميع إدارة الصراع بدل تفجيره.
ولأنّ هذا الصراع لا يقتصر على طرفين، بل يتوزّع على ساحاتٍ متعدّدة، من لبنان إلى غيره، فإنّ إنهاءه يصبح أكثر تعقيداً. كلّ ساحة تُستخدم كورقة ضغط، وكلّ تصعيد فيها يُقرأ ضمن ميزانٍ أوسع، ما يجعل التهدئة الشاملة أمراً صعب التحقيق.
الخطير في هذا النوع من الحروب أنّه لا يُحسم بسرعة، بل يستنزف ببطء. لا يُسقط الأنظمة فوراً، لكنّه يُضعف المجتمعات تدريجياً، ويُبقي الدول في حالة توتّر دائم. وهنا تكمن المأساة الحقيقية، الناس تدفع الثمن، فيما الصراع يُدار لا ليُحسم، بل ليبقى تحت السيطرة.
لبنان، في قلب هذا المشهد، ليس خارج اللعبة، بل في صلبها. فهو يتأثّر بكلّ ضربة، ويُستخدم في حسابات الردع، فيما دولته لا تزال عاجزة عن فرض منطقها الكامل. وهذا ما يجعل الخروج من هذه الدوّامة ضرورة وجوديّة، لا خياراً سياسياً.
إنّ إنهاء هذا المسار لا يكون بانتظار ضربةٍ حاسمة لن تأتي، بل ببناء مناعة داخليّة تُخفّف من تأثير الصراع الخارجي. فالدولة القويّة وحدها تستطيع أن تُبعد نفسها عن أن تكون ساحةً دائمة لتصفية الحسابات.
هذه ليست حرباً تُنهيها معركة واحدة، بل صراعٌ طويل يُدار بحسابات دقيقة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة، سيبقى ينتظر نهايةً لن تأتي… بينما الواقع يتآكل من حوله.
بقلم : د. ليون سيوفي