
إسراء عبد التواب تكتب : هل حياتي سعيدة؟
هل حياتي سعيدة؟ سؤال جريء قد يوجّهه البعض إلى نفسه قبل الخلود إلى النوم بعد يوم طويل حافل بالضغوطات والمشاق اليومية، بينما يتهرّب منه آخرون ويكتفون بأن يكونوا ترسًا في عجلة الشقاء اليومي، حتى لا تصيبهم الإجابة بتعاسة وإحباط لا يستطيعون صرفهما عن أرواحهم.
فلكلٍّ منا مفهوم مختلف عن السعادة في حياته؛ فبينما يرى بعض الناس أن السعادة تكمن في الاكتفاء المادي الذي يمنع العوز ويحمي الإنسان من مواجهة الطوارئ والأمراض، يرى آخرون أن سعادتهم الناقصة تتمثّل في إيجاد الحب مع شخص يخلّصهم من الوحدة القاتلة ويكون سندًا لهم، مما يجعل رحلة حياتهم تعيسة بدونه رغم توافر الإمكانيات المادية التي تجنّبهم الحاجة للآخرين. بينما يجد فريق ثالث أن السعادة تكمن في التحقّق الوظيفي الذي يمنحهم وجاهة اجتماعية تساعدهم على التحقّق الذاتي والشعور بالفخر.
إذًا، فالسعادة ليست متشابهة بين شخص وآخر، وتفتقر إلى مفهوم جمعي موحّد لدى البشر. لكن الجميع يمتلك دائمًا تلك السعادة المنقوصة التي يرغب في أن تبلغ الكمال في جميع مستويات حياته. وهذا ما يدفع الإنسان إلى عقد المقارنات مع الآخرين، باحثًا عمّا ينقصه، غير مدرك أنه لو عاش حياتهم البراقة التي يراها من الخارج، لوجد بدوره أنه يفتقر للسعادة في جانب آخر يفتقدونه، وقد يكون متحققًا لديه الآن. ويلجأ البعض إلى التمسّك بالدين ليُصبّر نفسه بأن السعادة الأبدية كفردوس مفقود، ويتقرّب من ربّه طمعًا في نيلها في الآخرة. وهناك من يمتلك قدرًا من الحكمة فيُخفّف وطأة غياب تلك السعادة الكاملة بالحديث مع ذاته، مردّدًا ليل نهار ليهرب من ثِقل السؤال: «مافيش حد مرتاح».
وهنا يحضرني قول العالم والأديب الألماني يوهان جوته، الذي سُئل في كهولته إن كانت حياته سعيدة، فأجاب: «نعم، كانت لدي حياة سعيدة إلى أبعد الحدود، ولكن ليس بمقدوري أن أقول إنني حظيت بأسبوع واحد متصل من السعادة». وهو ما يشير إلى أن السعادة لا يمكن أن تكون حالة دائمة؛ إذ إن استمرارها يحوّل الأيام السعيدة إلى ضجر لا يمكن الفكاك منه.
فتخيّل أن تستيقظ كل يوم سعيدًا بلا مشاق، بلا لهاث حول لقمة العيش، وبلا أن تحرم نفسك من بعض النعم من أجل مَن تحب، ومن أجل ذلك الشعور العميق بأن شقاءك في سبيل من يعتمدون عليك هو ما يمنحك السعادة والرضا لكونك ذا أثر ملموس.
فالأيام المشمسة السعيدة لو امتدّت طيلة الوقت، لشعرتَ بالملل ولتسرّب إليك الضجر تدريجيًا. تخيّل كيف ستكون حياتك لو خلت من الضجر والشقاء… لو كنت سعيدًا طوال الوقت؟ هذا السؤال يعيدنا إلى كلام الشاعر جوته الذي يرى في إحدى قصائده أن السعادة ليست بديلًا عن أشكال الكفاح ومواجهة صعاب الحياة. وهنا يحضر توصيفٌ رائع للفيلسوف وعالم الاجتماع زيجمونت باومن، إذ يقول إن السعادة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما نتجاوز المحن والحظ السيئ؛ فهي ليست حالة ممتدّة، بل مجرّد برهة نخلع فيها أحذيتنا الضيقة لنشعر بالراحة. لأنها لو امتدّت، لَسِرْنا في مُربّعٍ أشبهَ بكابوس.