الأحزاب في مصر.. بين غياب الدور السياسي وأزمة التواصل واستحقاق استعادة ثقة المواطن

بقلم: محمد غزال «مفكر سياسي»

تطرح الحياة الحزبية في مصر تساؤلات جوهرية لم يعد من الممكن تجاهلها، تتعلق بطبيعة الدور الذي تؤديه الأحزاب، ومدى قدرتها على التعبير عن المجتمع والدفاع عن مصالح المواطنين والمشاركة في صناعة القرار. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بعدد الأحزاب أو حجم مقارها أو انتشارها التنظيمي، وإنما بمدى حضورها الحقيقي في حياة الناس، وقدرتها على التأثير في السياسات العامة والمساهمة في تشكيل مستقبل الحياة السياسية.

فالحزب السياسي ليس مجرد كيان يحمل اسماً أو يمتلك ترخيصاً قانونياً أو يشارك في المؤتمرات والمناسبات الرسمية، وإنما مؤسسة يفترض أن تمتلك رؤية وبرنامجاً وموقفاً سياسياً واضحاً، وأن تكون حلقة اتصال حقيقية بين المجتمع ومؤسسات الدولة، تنقل مطالب المواطنين وتدافع عن مصالحهم، وتشارك في تطوير السياسات العامة ومراقبة الأداء الحكومي.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: أين الأحزاب من المواطن؟ وأين مواقفها من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياته اليومية؟ وما الذي تقدمه للمجتمع بعيداً عن البيانات والفعاليات والظهور الإعلامي؟

 _المواطن أولاً.. أين الصوت الحزبي المؤثر؟_

يواجه المواطن المصري أعباء معيشية متزايدة، تتعلق بارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدخول، وتكاليف التعليم والصحة والخدمات الأساسية، إلى جانب الضرائب والرسوم وأسعار الوقود والطاقة. وهذه الملفات تمثل اختباراً حقيقياً لمدى فاعلية الأحزاب وقدرتها على ممارسة دورها السياسي والاجتماعي.

فالمواطن لا ينتظر من الحزب مجرد بيانات تعبر عن التعاطف مع معاناته، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة ومقترحات عملية، ودراسات تفسر أسباب الأزمات وتطرح حلولاً قابلة للتطبيق. وعندما ترتفع الأسعار، ينبغي أن تكون للأحزاب رؤى بشأن التضخم والسياسات المالية والنقدية وحماية محدودي الدخل وزيادة الإنتاج وتحسين الأجور. وعندما تتراجع جودة الخدمات، يصبح من واجبها طرح الأسئلة ومناقشة أوجه القصور والمطالبة بالمعالجة.

وهنا يجب التمييز بين العمل الخدمي والعمل السياسي؛ فالمساعدات والمبادرات المجتمعية لها أهميتها، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدور الحزبي. فالحزب ليس جمعية خيرية، ولا مؤسسة لتوزيع المساعدات، وإنما كيان سياسي يفترض أن يبحث في جذور المشكلات ويقدم بدائل للسياسات التي أدت إليها.

إن قيمة الحزب لا تقاس بقدرته على وصف معاناة المواطن، وإنما بقدرته على تحويل هذه المعاناة إلى برنامج سياسي ومبادرات ومواقف وممارسة رقابية مسؤولة.

 _القضايا الدستورية.. امتحان استقلال المواقف_

تزداد أهمية الدور الحزبي عندما يتعلق الأمر بالقضايا الدستورية الكبرى، وفي مقدمتها أي نقاش بشأن تعديل الدستور أو مدد الرئاسة أو طبيعة النظام السياسي وتوازن السلطات.

فهذه ليست موضوعات هامشية أو ترتيبات إجرائية عابرة، وإنما قضايا تمس مستقبل الدولة ومؤسساتها، وترتبط بمبادئ تداول السلطة والفصل بين السلطات وضمانات الحقوق والحريات.

ومن حق المجتمع أن يسمع من الأحزاب مواقف واضحة ومعلنة، تستند إلى دراسات دستورية وقانونية وسياسية، سواء بالتأييد أو الرفض أو التحفظ، مع تقديم المبررات للرأي العام. أما الصمت أو الاكتفاء بعبارات عامة، فيثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الكيانات.

فالاختلاف في الرأي ليس تهديداً للدولة، بل يمكن أن يكون مصدراً لقوتها إذا جرى في إطار دستوري مسؤول. كما أن التوافق الوطني لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما إدارة التباين بالحوار والحجة واحترام القانون.

والأحزاب مطالبة بأن تثبت استقلال مواقفها، وأن تتعامل مع القضايا الدستورية باعتبارها مسؤولية وطنية تتجاوز الحسابات التنظيمية والمصالح السياسية الضيقة.

 _التعددية ليست بكثرة الأحزاب_

من الأخطاء اختزال التعددية السياسية في مجرد تعدد الكيانات الحزبية؛ فوجود أحزاب كثيرة لا يعني بالضرورة وجود حياة سياسية حقيقية. التعددية الفاعلة تقوم على اختلاف البرامج والرؤى، وحرية التعبير عنها، ووجود منافسة سياسية قائمة على الأفكار والكفاءة والقدرة على إقناع المواطنين.

وقد تتعدد الأحزاب من الناحية الشكلية، بينما تتشابه مواقفها وتغيب برامجها عن القضايا العامة، فتتحول التعددية إلى مجرد حضور عددي لا ينعكس على الواقع السياسي.

كما أن بعض الممارسات تطرح تساؤلات بشأن تحول العمل الحزبي لدى بعض التنظيمات إلى مساحة للوجاهة الاجتماعية وتوسيع العلاقات واكتساب الحضور الشخصي، بدلاً من الالتزام بالعمل العام. ولا يعني ذلك التعميم أو التقليل من وجود شخصيات وكفاءات داخل الأحزاب تسعى بجدية إلى خدمة المجتمع، لكنه يفرض ضرورة التمييز بين من ينظر إلى الحزب باعتباره مسؤولية سياسية، ومن يتعامل معه باعتباره إضافة إلى مكانته الاجتماعية.

فرجال الأعمال وأصحاب الخبرات مرحب بمشاركتهم في العمل السياسي، لكن المال والنفوذ والشهرة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكفاءة والبرنامج والاستقلال في اتخاذ المواقف.

 _المعارضة والمساندة.. السياسة موقف لا مجاملة_ 

لا ينبغي اختزال الحياة الحزبية في ثنائية التأييد والمعارضة؛ فالحزب ليس مطالباً برفض كل ما يصدر عن الحكومة، كما أنه ليس مطالباً بتأييد كل قراراتها.

الموقف السياسي المسؤول يرتبط بطبيعة القضية ومدى توافق القرار مع المصلحة الوطنية ومصالح المواطنين. فقد يؤيد الحزب قراراً يراه صحيحاً، وينتقد قراراً آخر، ويقدم بديلاً عندما يرى ضرورة لتصحيح المسار.

وهذا هو جوهر الاستقلال السياسي؛ أن تكون المواقف نابعة من البرنامج والقناعة، لا من المجاملة أو الخصومة أو حسابات المصالح.

فالمعارضة الحقيقية ليست رفضاً دائماً أو انتقاداً بلا بدائل، وإنما ممارسة تقوم على المعلومات والدراسة والحلول. وفي المقابل، فإن المساندة لا تعني التخلي عن حق النقد أو تعطيل الرقابة والمساءلة.

والدولة تحتاج إلى حياة حزبية قادرة على تقديم الرأي الآخر، ومناقشة السياسات، وكشف أوجه القصور، والمشاركة في تطوير الأداء العام.

 _البرلمان ليس نهاية الدور الحزبي_

لا ينحصر العمل الحزبي في الحصول على مقاعد برلمانية، رغم أهمية البرلمان باعتباره مؤسسة للتشريع والرقابة. فالأحزاب تستطيع ممارسة أدوار مؤثرة من خلال الدراسات المتخصصة، والحوارات المجتمعية، وإعداد المبادرات التشريعية، والتواصل مع المواطنين، وتدريب الكوادر السياسية.

أما الأحزاب الممثلة في البرلمان، فتتحمل مسؤولية توظيف وجودها في خدمة المجتمع، من خلال المناقشات الجادة، ومراجعة مشروعات القوانين، ومتابعة أداء الحكومة، والتعبير عن المصالح المختلفة للمواطنين.

فالمقعد البرلماني ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتنفيذ البرامج وتحقيق الأهداف السياسية. والمواطن لا يقيس أداء الحزب بعدد نوابه، بل بما يقدمونه من عمل تشريعي ورقابي ومواقف ملموسة.

_إستعادة الثقة تبدأ بالإصلاح_ 

إن ضعف الثقة في بعض الأحزاب لا يرتبط بعامل واحد؛ فهناك تحديات تتعلق بضعف الثقافة الحزبية، ومحدودية المشاركة السياسية، وتراجع التواصل مع المجتمع، إلى جانب التحديات المرتبطة ببيئة العمل السياسي وفرص التنافس والتعبير.

ولذلك فإن الإصلاح مسؤولية مشتركة. فالدولة مطالبة بتعزيز الضمانات الدستورية والقانونية للعمل السياسي، وتوفير بيئة تسمح بالتنافس والمشاركة وتعدد الرؤى. والأحزاب مطالبة في المقابل بمراجعة أدائها، وتجديد قياداتها، وتفعيل الديمقراطية الداخلية، وتوسيع قواعدها الجماهيرية، والابتعاد عن اختزال العمل السياسي في المؤتمرات والصور والبيانات.

كما أن استعادة الدور الحزبي تتطلب برامج واقعية في الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية، ومراكز بحثية متخصصة، وكوادر مؤهلة، وقنوات اتصال مستمرة مع المواطنين في المحافظات والمراكز والقرى.

ومن الضروري أيضاً إتاحة الفرصة أمام الشباب والمرأة وأصحاب الخبرات للمشاركة في مواقع المسؤولية، وتطبيق قواعد الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات الحزبية نفسها.

فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخل تنظيمه، ولا يتيح تداول المسؤوليات، ولا يحترم تعدد الآراء بين أعضائه، يواجه تحدياً حقيقياً عندما يطرح نفسه نموذجاً للمشاركة السياسية على المستوى الوطني.

_الدولة القوية تحتاج إلى أحزاب فاعلة_ 

إن قوة الدولة لا تتعارض مع وجود حياة حزبية نشطة، بل إن استقرار المؤسسات الوطنية يتطلب وجود قنوات سياسية قادرة على التعبير عن مصالح المجتمع وإدارة الاختلاف بصورة سلمية ومنظمة.

فالأحزاب الجادة تمثل جسراً بين الدولة والمواطن، وتسهم في اكتشاف الكفاءات وإعداد القيادات المستقبلية، وتطوير السياسات من خلال المنافسة وتعدد الرؤى. كما أن النقد الموضوعي والمساءلة لا يمثلان انتقاصاً من الدولة، وإنما يساعدان على تصحيح الأخطاء وتحسين جودة القرار العام.

ولا تحتاج مصر إلى أحزاب تتنافس على الظهور في المناسبات، أو تكتفي باستكمال الصورة السياسية، وإنما تحتاج إلى كيانات تمتلك برامج واضحة، ومواقف مستقلة، وقدرة على التواصل مع الناس والمشاركة الفعلية في معالجة قضاياهم.

وفي النهاية، فإن السؤال عن الأحزاب المصرية ليس متعلقاً بعددها أو أسماء قياداتها أو حجم مقارها، وإنما بجدوى وجودها وتأثيرها في المجتمع. ماذا قدمت للمواطن؟ وما المواقف التي اتخذتها دفاعاً عن مصالحه؟ وما البدائل التي طرحتها لمعالجة الأزمات؟ وكيف شاركت في مناقشة القضايا التي تمس مستقبل الدولة ونظامها الدستوري؟

إن الحياة الحزبية الحقيقية لا تُقاس بعدد المؤتمرات ولا بحجم اللافتات والصور الجماعية، وإنما بقدرة الأحزاب على تحويل مطالب المواطنين إلى برامج، والأفكار إلى سياسات، والمشاركة إلى مسؤولية، والاختلاف إلى حوار منتج.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى