نداء إلى عملاء السفارات ومعارضي الدولار وشباب الخيام و«الحرية البتنجانية»!

حين تصبح شوارع أوروبا ساحة للقمع والفوضى.. أين اختفت شعارات حقوق الإنسان؟

بقلم: بنت مصر – إلهام اليماني

إلى الذين كانوا يهاجموننا بالأمس، ويسخرون من حديثنا عن نعمة الاستقرار، وإلى أصحاب الشعارات الجاهزة الذين لم يتوقفوا عن اتهام كل من يدافع عن الدولة المصرية بأنه ضد الحرية وحقوق الإنسان، نقول لهم اليوم: انظروا إلى ما يحدث في أوروبا!

تشهد بعض الدول الأوروبية مشاهد قاسية في التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات، من استخدام القوة والضرب والاعتقالات، إلى مشاهد السحل والاشتباكات العنيفة، بل والتجاوزات التي تطال النساء أحيانًا أثناء محاولات السيطرة على الاحتجاجات. فأين ذهبت شعارات حقوق الإنسان؟ وأين اختفت دعوات احترام الحريات وحق التظاهر السلمي؟ ولماذا لا نسمع الضجيج نفسه الذي كان يملأ المنابر الإعلامية عندما كانت الأحداث تقع في مصر؟

أين الذين كانوا يسخرون منا عندما نقول: الحمد لله على نعمة الاستقرار، والحمد لله أننا أفشلنا مخطط إسقاط الدولة في أحداث يناير، وأن ثورة 30 يونيو كانت محطة فارقة في حماية مؤسسات الدولة المصرية؟ أين الذين كانوا يرفضون المقارنة بين ما جرى في مصر وما شهدته سوريا وليبيا واليمن من انهيار ومآسٍ إنسانية؟

اليوم نقولها مرة أخرى: الحمد لله أننا لسنا فرنسا، ولا سويسرا، ولا غيرهما من الدول التي تشهد اضطرابات واحتجاجات ومواجهات أمنية. الحمد لله على نعمة مصر، وعلى نعمة أن نعيش في وطن، مهما كانت أزماته وتحدياته، لا يزال قادرًا على حماية مؤسساته والحفاظ على تماسك دولته.

ولنكن منصفين؛ فالاستقرار الذي نعيشه لم يكن هدية مجانية، بل كان ثمنه باهظًا، دفعته دماء أبناء مصر من رجال القوات المسلحة والشرطة والمدنيين وأهالينا في سيناء، الذين واجهوا الإرهاب ودفعوا حياتهم دفاعًا عن الوطن. كما كان للمؤسسة العسكرية ومؤسسات الدولة، وللقيادة السياسية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، دور محوري في مواجهة مرحلة شديدة الخطورة من تاريخ مصر.

نعم، نعاني من ارتفاع الأسعار والضغوط المعيشية، ولا أحد ينكر ذلك، لكن الأزمات الاقتصادية ليست حكرًا على مصر، والعالم كله يواجه تحديات اقتصادية ومعيشية متصاعدة. والفارق أن الغضب من الأوضاع الاقتصادية لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لهدم الدولة أو تدمير ما تبقى من مؤسساتها ومقدراتها. فالإصلاح ضرورة، والمحاسبة حق، وتحسين حياة المواطنين واجب، لكن الفوضى ليست بديلًا عن الإصلاح.

إن مشاهد الاحتجاجات والاضطرابات في عدد من الدول الأوروبية، وما يصاحبها أحيانًا من تخريب وحرق واعتداءات على الممتلكات والشرطة، تطرح سؤالًا مهمًا: هل أصبحت الدول التي طالما قدمت نفسها باعتبارها النموذج المثالي للديمقراطية والحريات عاجزة عن معالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية دون اللجوء إلى القوة؟

وحتى سويسرا، التي ارتبط اسمها في أذهان العالم بالثراء والرفاهية والاستقرار، ليست بمنأى عن الاحتجاجات والمطالب الاجتماعية. فالثروة وحدها لا تضمن رضا الشعوب، كما أن الشعارات الديمقراطية لا تعني غياب الأزمات أو ضمان حسن إدارتها.

وأرى أن ما يمر به العالم لا يمكن فصله عن صراعات النفوذ والمصالح الدولية، وعن السياسات التي دفعت دولًا كثيرة إلى تحمل أثمان باهظة نتيجة انحيازاتها وتحالفاتها. فقد دفعت أوروبا جانبًا كبيرًا من تكلفة تداعيات جائحة كورونا، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضاعف أزماتها، خصوصًا في مجالات الطاقة والمواد الخام والتجارة والصناعة، بعدما فقدت بعض المزايا التنافسية التي كانت تتمتع بها في الحصول على مصادر الطاقة بأسعار مناسبة.

لقد دفعت أوروبا ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا لمواقفها من الحرب، ولارتباط سياساتها بدرجة كبيرة بالحسابات الأمريكية، وهو ما يفتح الباب أمام مراجعة حقيقية لعلاقات التحالف والتبعية، ومدى قدرة الدول الأوروبية على اتخاذ قرارات مستقلة تحمي مصالح شعوبها.

والحقيقة أن العالم كله يدفع اليوم أثمان صراعات القوى الكبرى، وأطماع السيطرة على الثروات والممرات البحرية ومصادر الطاقة ومناطق النفوذ. من حروب واحتلال وتدخلات وصراعات سياسية، إلى استنزاف موارد الشعوب وتهديد استقرار الدول. ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته السياسات الأمريكية والإسرائيلية والبريطانية في عدد من أزمات المنطقة والعالم، وما خلفته من تداعيات إنسانية وسياسية واقتصادية.

لكن السؤال الأهم: لماذا تقف دول كثيرة عاجزة عن بناء موقف دولي موحد يضع حدًا لسياسات الهيمنة وازدواجية المعايير؟ ولماذا تتقدم حسابات الزعامة والمنافسة على مصالح الشعوب؟ إن انقسام المواقف الدولية، وتغليب المصالح الضيقة، يمنحان القوى الكبرى فرصة أكبر لفرض إرادتها على الآخرين.

إننا لا ندعو إلى تجاهل أخطائنا أو التوقف عن المطالبة بتحسين الأوضاع، ولا نقول إن الاستقرار يعني الصمت عن الغلاء أو القصور أو ضعف الخدمات. بل نقول إن حب الوطن يقتضي الحفاظ عليه، والعمل على إصلاحه، ومواجهة أخطائه، دون الانجرار إلى سيناريوهات الفوضى التي لا يدفع ثمنها إلا المواطن البسيط.

لقد تعلمنا من تجارب دول قريبة منا أن انهيار الدولة ليس مجرد تغيير سياسي، وإنما قد يكون بداية سنوات طويلة من الدماء والتهجير والخراب وضياع المستقبل.

ولهذا، فإن الدفاع عن مصر لا يتعارض مع المطالبة بحياة أفضل، والاعتزاز بالاستقرار لا يعني إنكار الأزمات، كما أن نقد السياسات لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للوطن.

تحيا مصر الشريفة في زمن عزّ فيه الشرف، وحفظ الله مصر وأهلها، وجنّب شعوب العالم ويلات الحروب والفوضى والانقسام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى