الإستدعاء الوطني في مصر.. بين احترام الدستور وبناء المؤسسات وتجديد النخبة السياسية

بقلم: محمد غزال «مفكر سياسي»

مصر أمام فرصة لإعادة فتح المجال العام، وتأسيس مسار مؤسسي لإعداد القيادات، يضمن تداول السلطة ويعيد الاعتبار للكفاءة والمساءلة والمشاركة الشعبية

تتجدد في مصر أهمية النقاش حول مستقبل القيادة السياسية، وآليات إعداد الأجيال القادرة على تحمل المسؤولية، وحدود العلاقة بين السلطة والمجتمع في دولة تستند إلى دستور ينظم مؤسساتها، ويحدد اختصاصات سلطاتها، ويؤسس لمبدأ تداول الحكم. وقد أعاد الحديث عن احترام الدستور وعدم الترشح لفترة رئاسية جديدة طرح أسئلة تتجاوز حدود الموقف السياسي الآني، لتلامس جوهر الدولة الحديثة: كيف تُعد البلاد انتقالها السياسي بصورة منظمة؟ ومن أين تأتي القيادات الجديدة؟ وما الضمانات التي تحول دون اختزال مستقبل الدولة في اختيارات فردية أو ترتيبات مغلقة؟

إن أهمية هذا النقاش لا تكمن في الاحتفاء بإعلان سياسي بعينه، بقدر ما تكمن في استثمار اللحظة لفتح حوار وطني جاد حول قواعد إدارة الدولة وتجديد نخبها، بحيث يصبح احترام الدستور قاعدة مستقرة لا استثناءً، وتصبح عملية إعداد القيادات حقًا عامًا متاحًا أمام المواطنين، لا مسارًا محدودًا تتحكم فيه مؤسسات أو دوائر بعينها.

إحترام الدستور ليس منحة.. بل أساس شرعية الحكم

يُعد الدستور المرجعية العليا التي تنظم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحدد حدود السلطات العامة، وتصون الحقوق والحريات، وتضع القواعد المنظمة لتداول السلطة. ومن ثم، فإن احترامه لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه موقفًا استثنائيًا يستحق الاحتفاء لمجرد الإعلان عنه، بل باعتباره التزامًا أصيلًا يقع على عاتق جميع مؤسسات الدولة والقائمين على إدارتها.

ومع ذلك، فإن التأكيد على الالتزام الدستوري يظل أمرًا إيجابيًا حين يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لطبيعة الممارسة السياسية، ويتيح الانتقال من مجرد احترام النصوص إلى تفعيل روحها ومبادئها. فالدساتير لا تستمد قوتها من وجودها المكتوب وحده، وإنما من قدرة المؤسسات على تطبيقها، واحترام قواعدها، وإخضاع السلطة لأحكامها، وضمان ألا تتحول الاستثناءات إلى قواعد أو تتحول النصوص إلى مجرد إطار شكلي لا ينعكس على الحياة العامة.

ومن هذا المنطلق، فإن التفكير في مستقبل القيادة السياسية ينبغي أن ينطلق من سؤال جوهري: كيف يمكن بناء نظام مؤسسي يجعل انتقال المسؤولية أمرًا طبيعيًا ومنظمًا، لا مفاجأة سياسية ولا عملية مرتبطة بظروف استثنائية؟

إن تداول السلطة يمثل أحد أهم ضمانات الاستقرار السياسي طويل الأمد، لأنه يربط استمرار الدولة بقوة مؤسساتها، لا ببقاء الأشخاص، ويمنح المجتمع القدرة على تجديد اختياراته عبر آليات دستورية واضحة. فالاستقرار الحقيقي لا يعني تجميد الحياة السياسية، بل يعني امتلاك القدرة على التغيير المنظم دون اضطراب، وعلى تجديد القيادة دون المساس باستمرارية الدولة.

إعداد القيادات.. بين التأهيل المهني وحق الشعب في الاختيار

يثير طرح برامج لتأهيل أعداد من حملة الدكتوراه، ممن تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين عامًا، من خلال برامج تدريبية تمتد لثلاثين شهرًا داخل مؤسسة تعليمية عسكرية، نقاشًا مهمًا حول طبيعة القيادة السياسية، والمعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار من يتولون المناصب العامة.

فلا شك أن تأهيل الكوادر، وتطوير قدراتها الإدارية والاستراتيجية، وتعريفها بآليات عمل مؤسسات الدولة، يمكن أن يسهم في تحسين جودة الإدارة العامة. كما أن الاستفادة من الخبرات العلمية والتخصصية تمثل ضرورة في دولة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة، تحتاج إلى قرارات تستند إلى المعرفة والتخطيط والتقييم العلمي.

لكن الإشكالية تبدأ عندما يُطرح التأهيل وكأنه الطريق الرئيسي لإعداد القيادات السياسية، أو عندما يُفهم منه أن الالتحاق ببرنامج بعينه يمنح صاحبه أفضلية غير معلنة في الوصول إلى مواقع الحكم. فهناك فارق جوهري بين إعداد المواطنين لتولي المسؤوليات العامة، وبين إنشاء مسار قد يُنظر إليه باعتباره بوابة للترشح أو الاقتراب من دوائر صنع القرار.

في الدولة الدستورية، يظل الشعب صاحب الحق في اختيار ممثليه وقادته وفق القواعد الانتخابية المنظمة. ولا يجوز أن يحل أي برنامج تدريبي، مهما بلغت كفاءته، محل الإرادة الشعبية أو يتحول إلى شرط غير منصوص عليه للترشح أو تولي المسؤولية السياسية.

والأمر هنا لا يتعلق بالاعتراض على التدريب أو التقليل من أهميته، وإنما بضمان ألا تتحول أدوات التأهيل إلى آليات غير مباشرة لإعادة إنتاج النخبة من أعلى، بعيدًا عن التنافس العام وتكافؤ الفرص.

كذلك، فإن الحصول على درجة الدكتوراه يدل على اجتياز مسار علمي وبحثي متخصص، لكنه لا يمثل وحده معيارًا كافيًا للحكم على القدرة القيادية. فالقيادة السياسية تتطلب مزيجًا من المعرفة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية وإدارة الاختلاف. وقد يمتلك شخص مؤهلات علمية رفيعة دون أن يمتلك المهارات اللازمة لإدارة مؤسسة عامة، بينما تتوافر لدى شخص آخر خبرات عملية وسياسية واسعة تؤهله لتحمل المسؤولية دون أن يحمل أعلى الدرجات الأكاديمية.

وعليه، فإن المعيار الأهم ليس الشهادة وحدها، ولا الخلفية المؤسسية، وإنما الكفاءة الفعلية التي يمكن قياسها، والسجل العملي الذي يمكن تقييمه، والقدرة على العمل في إطار القانون، والاستعداد للمساءلة أمام المجتمع.

الاستدعاء الوطني.. من قيمة الفكرة إلى كفاءة التنفيذ

يمثل اقتراح الاستفادة من أصحاب الإنجازات والخبرات الوطنية في إطار مجلس استشاري فكرة تستحق النقاش، خصوصًا في ظل حاجة الدولة إلى توسيع قاعدة المشاركة في صناعة القرار، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في الاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا والتعليم والصناعة وغيرها من المجالات.

غير أن نجاح الفكرة لا يتوقف على المكانة الاجتماعية أو المهنية لأعضاء المجلس، ولا على عدد الشخصيات التي يمكن جمعها حول طاولة واحدة، بل يرتبط أساسًا بطبيعة اختصاصاته، ومدى استقلالية تقييمه، وقدرته على التأثير في السياسات العامة، ووجود آليات واضحة لمتابعة تنفيذ توصياته.

وتقدم التجارب الدولية في بناء المؤسسات الاقتصادية والإدارية دروسًا مهمة في هذا السياق. فالتجربة السنغافورية، على سبيل المثال، لم تقم فقط على الاستعانة بالخبراء، وإنما ارتبط نجاحها ببناء أجهزة متخصصة، وتحديد أهداف قابلة للقياس، وإسناد المهام إلى الكفاءات وفق احتياجات الدولة، وربط الأداء بالنتائج. كما أن نقل التجارب الدولية لا ينبغي أن يقتصر على استنساخ الهياكل أو الأسماء، بل يتطلب فهم السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي نشأت فيه تلك التجارب.

فما يصلح لدولة صغيرة نسبيًا من حيث السكان والمساحة والظروف المؤسسية لا يمكن تطبيقه آليًا في دولة بحجم مصر، بما تمتلكه من ثقل سكاني وتنوع اجتماعي وتاريخ سياسي وتحديات تنموية معقدة.

والدرس الأهم هنا أن المؤسسات الفاعلة لا تُقاس بعدد أعضائها أو مكانتهم، وإنما بوضوح اختصاصاتها، وشفافية اختيار القائمين عليها، وجودة القرارات التي تسهم في إنتاجها، ومدى انعكاس عملها على حياة المواطنين.

ومن ثم، فإن أي مجلس استشاري مقترح ينبغي أن يستند إلى معايير معلنة لاختيار أعضائه، وتكليفات محددة، وجداول زمنية واضحة، وآليات لنشر التوصيات التي لا تتعارض طبيعتها مع مقتضيات السرية المشروعة، إلى جانب تحديد الجهة المسؤولة عن دراسة تلك التوصيات والرد عليها ومتابعة ما يُعتمد منها.

فالمجلس الذي يكتفي بإبداء الرأي دون أثر قابل للتقييم قد يتحول، بمرور الوقت، إلى إطار تشريفي، مهما بلغت خبرات أعضائه. أما المجلس الذي يعمل ضمن منظومة مؤسسية واضحة، ويقدم بدائل مدروسة، ويخضع أداؤه للتقييم، فيمكن أن يصبح أداة حقيقية لتحسين السياسات العامة.

أين تُصنع القيادات الحقيقية؟

لا تتشكل القيادات السياسية الفاعلة داخل قاعات التدريب وحدها، وإنما تنمو عبر الاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع، والمشاركة في العمل العام، وخوض التجارب العملية، والتعامل مع الاختلاف، وتحمل نتائج القرارات.

فالأحزاب السياسية، عندما تتمتع بالحيوية والقدرة على المنافسة، تمثل مدارس لإعداد القيادات وتطوير البرامج والكوادر. والبرلمان، حين يؤدي دوره التشريعي والرقابي بكفاءة، يوفر مساحة لاختبار القدرة على الحوار وصياغة التشريعات ومراجعة أداء الحكومة. أما المجالس المحلية المنتخبة، فتمنح المواطنين فرصة المشاركة المباشرة في إدارة الخدمات والمرافق، وتتيح ظهور قيادات تتعامل مع احتياجات الناس اليومية.

وتؤدي النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني دورًا مهمًا في تنمية مهارات التنظيم والتفاوض والإدارة، وفي إعداد شخصيات تمتلك خبرة واقعية في التعامل مع المشكلات العامة. وتكتمل هذه المنظومة بوجود إعلام مهني قادر على المناقشة والنقد، ومجال عام يسمح بتعدد الآراء، ويضمن ألا يصبح الاختلاف في الرأي سببًا للإقصاء أو الحرمان من المشاركة.

ومن هنا، فإن إعداد القيادات لا ينبغي أن يقتصر على اختيار عدد محدود من الأشخاص وتأهيلهم في إطار مغلق، بل يجب أن يقوم على توسيع الفرص أمام أعداد كبيرة من المواطنين، وإتاحة المجال للتنافس بينهم، ثم ترك الكفاءة والخبرة والاختيار الشعبي تؤدي دورها في تحديد من يستحقون تولي المسؤولية.

وتبرز في هذا السياق أهمية المجالس المحلية المنتخبة، التي تمثل إحدى الحلقات الأساسية في بناء الدولة الحديثة. فغيابها لسنوات طويلة يحرم المجتمع من مستوى مهم من المشاركة السياسية، ويحد من فرص ظهور قيادات تمتلك خبرة عملية في إدارة الشأن العام.

إن إعادة تفعيل الحياة المحلية، وفق إطار دستوري وقانوني واضح، يمكن أن تفتح الباب أمام تدريب عملي واسع النطاق على الإدارة والمساءلة، بدلًا من حصر برامج إعداد القيادات في مجموعات محدودة. كما أن المجالس المحلية تمنح المواطنين فرصة لمراقبة الأداء العام من قرب، وتتيح اكتشاف الكفاءات من خلال العمل الفعلي لا من خلال التقييم النظري وحده.

المجال العام المفتوح شرط لتجديد النخبة

تحتاج عملية تجديد القيادات إلى بيئة سياسية تسمح بظهور البدائل وتنافس البرامج وتداول الأفكار. فلا يمكن مطالبة الأحزاب بإعداد قيادات جديدة إذا كانت فرص العمل السياسي محدودة، ولا يمكن انتظار ظهور برلمان قوي إذا لم تتوافر الظروف التي تتيح منافسة انتخابية حقيقية، ولا يمكن بناء ثقة عامة مستدامة إذا غابت المساءلة أو ضاقت المساحات المتاحة للنقد البناء.

إن المجال العام المفتوح لا يعني غياب الدولة أو إضعاف مؤسساتها، بل يعني تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس القانون، وإتاحة المشاركة السلمية، واحترام التعددية، وضمان أن تكون المنافسة السياسية وسيلة لتجديد الأفكار والكوادر، لا مصدرًا لتهديد الاستقرار.

وفي المقابل، فإن إغلاق مسارات المشاركة لا يلغي الحاجة إلى التغيير، بل قد يؤدي إلى تراكم المشكلات وتأخر ظهور البدائل، ويجعل عملية تجديد القيادة أكثر صعوبة حين تصبح ضرورية. ولذلك، فإن توسيع المجال العام يمثل استثمارًا في استقرار الدولة، وليس تنازلًا عن قوتها.

وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تربط بين الإصلاح السياسي وكفاءة الإدارة العامة. فالمشاركة الأوسع تساعد على اكتشاف احتياجات المجتمع، والمنافسة الجادة تتيح اختبار البرامج، والرقابة الفعالة تكشف أوجه القصور، بينما تضمن المؤسسات الدستورية استمرار العمل العام بعيدًا عن الارتباط بالأشخاص.

نائب الرئيس.. مسؤولية عملية لا مجرد ترتيب سياسي

في إطار البحث عن آليات واضحة لإعداد القيادة المستقبلية، يبرز مقترح تعيين نائب للرئيس أو نائبين، مع توزيع محدد للاختصاصات والمسؤوليات، بوصفه أحد الخيارات التي يمكن مناقشتها ضمن منظومة أوسع لتطوير إدارة الدولة.

غير أن أهمية هذا المقترح لا تتعلق بعدد النواب أو خلفياتهم المدنية والعسكرية، بقدر ما تتعلق بطبيعة المهام المسندة إليهم، ومدى وضوح سلطاتهم، وقدرتهم على إدارة ملفات حقيقية، وإمكانية تقييم أدائهم أمام المؤسسات المختصة والرأي العام في حدود ما يسمح به القانون.

فإذا كان الهدف هو إعداد قيادات قادرة على تحمل المسؤولية مستقبلًا، فإن إسناد ملفات محددة إلى نواب الرئيس، مع وضع أهداف قابلة للقياس وتحديد المسؤوليات بوضوح، يمكن أن يوفر فرصة عملية لاختبار قدراتهم، بدلًا من الاكتفاء بالتوقعات أو الانطباعات.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب ألا يتحول المنصب إلى طريق تلقائي نحو الرئاسة، أو إلى بديل عن الإجراءات الدستورية والاختيار الشعبي. فالخبرة التي يكتسبها المسؤول من إدارة الملفات العامة تمنحه فرصة لإثبات الكفاءة، لكنها لا تمنحه حقًا مكتسبًا في تولي المنصب الأعلى.

والأصل أن تُبنى الثقة في القيادات من خلال سجل واضح من الإنجاز، والقدرة على حل المشكلات، واحترام القانون، وتحمل المسؤولية عن النتائج، مع بقاء القرار النهائي بشأن اختيار القيادة السياسية خاضعًا للقواعد الدستورية والإرادة الشعبية.

ثلاثة مسارات متكاملة لإعداد المستقبل

إن بناء منظومة فعالة لإعداد القيادات في مصر يحتاج إلى الجمع بين ثلاثة مسارات متوازية لا يغني أحدها عن الآخر.

المسار الأول هو “تطوير المسؤولية التنفيذية والمساءلة”، من خلال توزيع الاختصاصات بوضوح على كبار المسؤولين، وإسناد ملفات محددة إليهم، وتقييم الأداء وفق مؤشرات معلنة، بما يسمح باكتشاف القدرات القيادية من خلال الممارسة الفعلية.

والمسار الثاني هو “توسيع المجال العام وإعادة بناء قنوات المشاركة”، عبر دعم الحياة الحزبية، وتعزيز الدور الرقابي للبرلمان، وإجراء الانتخابات المحلية وفق الأطر الدستورية والقانونية، وإتاحة فرص أوسع أمام النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام المهني للمشاركة في النقاش العام.

أما المسار الثالث فهو “إنشاء أطر استشارية ومهنية قائمة على الجدارة”، بحيث تُختار الكفاءات وفق معايير واضحة، وتُحدد مهامها بدقة، وتُنشر توصياتها المناسبة للنشر، وتُتابع نتائج عملها من خلال آليات معلنة. وبهذا تتحول الخبرات الوطنية من رصيد متفرق إلى عنصر فاعل في صنع السياسات وتقييمها.

وتتكامل هذه المسارات مع ضرورة الاستثمار في التعليم والتدريب الإداري، وتطوير أدوات تقييم الأداء، وترسيخ قواعد النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص. فالدولة لا تحتاج إلى اختيار قياداتها من مصدر واحد، وإنما إلى بناء منظومة تسمح بظهور الكفاءات من مختلف المجالات، وتمنحها فرصًا عادلة لإثبات جدارتها.

الخلاصة: مستقبل الدولة يُبنى بالمؤسسات لا بالمفاجآت

إن النقاش حول إعداد القيادة المستقبلية يمثل فرصة لإعادة النظر في أسلوب إدارة المجال العام، وفي العلاقة بين التأهيل المهني والاختيار الشعبي، وبين الاستعانة بالخبراء وبناء المؤسسات القادرة على تحويل المعرفة إلى نتائج.

ولا يكفي أن تتوافر برامج تدريبية متقدمة أو مجالس استشارية تضم أصحاب الخبرات، ما لم تعمل هذه الأدوات داخل منظومة دستورية تضمن تكافؤ الفرص، وتحدد المسؤوليات، وتتيح المشاركة، وتربط السلطة بالمحاسبة.

فالدول التي تنجح في تجديد قياداتها هي التي تجعل إعداد المستقبل عملية مستمرة، لا ترتيبات استثنائية؛ وتبني مؤسسات تستطيع اكتشاف الكفاءات وتأهيلها واختبارها؛ وتسمح للمجتمع بالمشاركة في تحديد أولوياته واختيار ممثليه؛ وتضمن أن تكون شرعية الحكم مستمدة من الدستور والإرادة الشعبية.

لقد أصبح المطلوب أن يتجاوز الحوار حدود الترحيب بأي مبادرة أو الاعتراض عليها، وأن ينتقل إلى مناقشة القواعد التي تجعلها قابلة للنجاح والاستمرار. فالمستقبل لا يُصنع بمجرد إعداد قائمة من المرشحين المحتملين، ولا بمجرد إنشاء مجلس جديد، بل ببناء بيئة تسمح للكفاءة بالظهور، وللمؤسسات بالعمل، وللمجتمع بالمشاركة، وللسلطة بأن تتجدد وفق قواعد معلنة ومستقرة.

إن مصر تستحق مسارًا واضحًا لإعداد قياداتها، يقوم على احترام الدستور، وتوسيع المجال العام، واستعادة المشاركة المحلية، وتطوير المؤسسات، وترسيخ مبدأ المحاسبة. فالدولة القوية ليست التي تبحث عن بديل في اللحظة الأخيرة، وإنما التي تمتلك دائمًا مؤسسات قادرة على إعداد البدائل، وتمنح شعبها الحق في الاختيار، وتضمن استمرارها واستقرارها من خلال القانون والكفاءة والإرادة الشعبية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى