هل نريد وطناً تحكمه مؤسساته ويقرّر أبناؤه مصيره، أم ساحة مفتوحة

الدكتور ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

يقف الشرق الأوسط أمام واحدة من أخطر مراحله، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المناورات الدبلوماسية، وتتحوّل الممرات البحرية إلى ساحات مواجهة، فيما يعيش العالم حالة ترقّب لما قد تحمله الأيام المقبلة.

المشهد الإقليمي لا يوحي بأن الأزمة تتجه نحو نهاية مضمونة، بل إن المنطقة تبدو عالقة بين احتمال تسوية سياسية شديدة التعقيد ومواجهة عسكرية قد تتجاوز حدودها الحالية.
واشنطن وطهران مفاوضات تحت تهديد النار..
تتحرّك قطر وباكستان في محاولة لإعادة فتح أبواب التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، وسط حديث عن استئناف المحادثات في الدوحة، بعد اتصالات ولقاءات في طهران.
لكن الخلافات لا تزال عميقة؛ فواشنطن تريد ضمانات حاسمة بشأن البرنامج النووي الإيراني، بينما تتمسك طهران برفع الحصار البحري وتخفيف العقوبات والإفراج عن أموالها المجمدة.
وفي الوقت نفسه، تتواصل التحضيرات العسكرية الأميركية، ما يؤكد أن الدبلوماسية لم تُلغِ الخيار العسكري، بل تسير إلى جانبه.
أما التطورات في مضيق هرمز، وما أُعلن عن انفجارات وحرائق أصابت ناقلات نفط، فهي إنذار خطير بأن أي تصعيد جديد لن يبقى محصوراً بين واشنطن وطهران، بل قد يضرب الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.
إسرائيل والمنطقة،جبهات قابلة للاشتعال.. من جهتها إسرائيل تراقب مسار المفاوضات، لكنها لا تبدو مستعدة للتخلي عن حساباتها الأمنية والعسكرية. والتحركات العسكرية الأميركية في المنطقة، والتقارير عن تعزيز الإمدادات إلى إسرائيل، تزيد من المخاوف من عودة المواجهة.
وفي اليمن والخليج، تتسع دائرة المخاطر مع تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية، ما يجعل أي مواجهة جديدة قابلة للتحول إلى صراع إقليمي متعدد الجبهات.
لبنان وطن ينتظر قراراً لا يملكه!
هنا تكمن المأساة اللبنانية.
فلبنان لا يزال يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها، فيما تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات الميدانية في الجنوب، وتبقى الدولة عاجزة عن فرض رؤية وطنية موحّدة تحمي البلاد من الانزلاق إلى حرب جديدة.
من جهة، هناك سلاح خارج إطار الدولة وقرار عسكري لا يخضع بالكامل للمؤسسات الشرعية، ومن جهة أخرى هناك إسرائيل التي تواصل فرض وقائع ميدانية، فيما يقف المواطن اللبناني بين الخوف من الحرب والخوف من انهيار ما تبقى من مقومات الحياة.
والسؤال الذي لا يجوز التهرب منه، إلى متى يبقى لبنان رهينة صراع المحاور؟ ومن أعطى أي جهة حق تقرير مصير ملايين اللبنانيين من دون الرجوع إليهم؟
إن الدولة ليست مجرد مؤسسات وأسماء ومناصب، بل هي صاحبة القرار في السلم والحرب، وهي المسؤولة عن حماية حدودها وشعبها. وأي دولة لا تحتكر قرار الحرب والسلم تبقى دولة منقوصة القدرة والسيادة.
ما المطلوب قبل فوات الأوان؟
المطلوب ليس انتظار نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية كي نعرف مصيرنا، بل إطلاق مشروع إنقاذ وطني يقوم على:
* تثبيت حياد لبنان وإبعاده عن صراعات المحاور.
* حصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية الشرعية.
* تعزيز قدرات الجيش اللبناني وتمكينه من حماية الحدود.
* الضغط الدولي لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والالتزام بالقرارات الدولية.
* إطلاق حوار وطني جدي حول مستقبل النظام السياسي، بعيداً عن المحاصصة والتهديد بالسلاح.

قد تنجح سياسة الانتظار، ولا يجوز أن يبقى مصيره معلّقاً على نتائج مفاوضات الآخرين.
لقد آن الأوان لأن نطرح السؤال بشجاعة ، هل نريد وطناً تحكمه مؤسساته ويقرّر أبناؤه مصيره، أم ساحة مفتوحة تتناوب عليها القوى الإقليمية والدولية؟
إن إنقاذ لبنان يبدأ بقرار وطني شجاع…الحياد، لا التبعية، الدولة، لا الدويلات ومصلحة الشعب، لا مصالح المحاور. فإما أن نمتلك قرارنا اليوم، وإما أن يدفع اللبنانيون غداً ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها.

الدكتور ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
بيروت – لبنان

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى