نداء.. نداء.. نداء : يا فضيلة المفتي الفتوى الدينية ليست كلمة عابرة تُقال في لحظة سياسية

نحن لا نطلب من أحد أن يحارب نيابة عنا، ولا أن يغامر بحياة شعبه، وإنما نطلب عدلًا لا يتجزأ، وموقفًا لا ينتقي ضحاياه ؟

بقلم: هالة أبو سليم – غزة

الإنسان الفلسطيني يستحق أن يعيش كما يعيش سائر البشر، دون خوف دائم من القصف أو التهجير أو فقدان البيت والأهل

جلستُ صباح اليوم، كعادتي، أتصفح الصحف العبرية، فوقعت عيناي على خبر فتوى دينية صادرة عن المفتي السعودي، تدعو إلى التضحية في مواجهة الحوثيين. توقفت طويلًا أمام الخبر، لا لأنني أرفض حق أي شعب في الدفاع عن نفسه، ولا لأنني أستخف بخطورة الصراعات التي تعصف بالمنطقة، وإنما لأن سؤالًا موجعًا قفز إلى ذهني: أين كانت هذه الفتاوى، وأين كان هذا الصوت الديني الرفيع، حين كانت القدس تنزف، وغزة تُقصف، وأطفال فلسطين يُنتشلون من تحت الأنقاض أشلاءً وأجسادًا لا تعرف معنى الطفولة؟

يا فضيلة المفتي، إن الفتوى الدينية ليست كلمة عابرة تُقال في لحظة سياسية، ولا موقفًا انتقائيًا يتغير بتغير الخصوم والحسابات. إنها مسؤولية أمام الله، وأمانة أمام الأمة، وموقف ينبغي أن ينطلق من ميزان واحد للحق والعدل، لا من خريطة تتبدل فيها قيمة الدم والإنسان والمقدسات بحسب هوية الطرف الذي يتعرض للخطر.

كنت أتمنى أن أجد في هذا الخبر، أو في غيره من المواقف الدينية الرسمية، صوتًا يذكر العالم بواجب حماية المقدسات الإسلامية في القدس، وينتصر لحق الفلسطينيين في الحياة والحرية والأمان، ويستنكر ما تعرضوا له من قتل وتشريد وتدمير على امتداد عقود طويلة. كنت أتمنى أن أسمع خطابًا دينيًا يضع معاناة الفلسطينيين في قلب ضمير الأمة، لا على هامش اهتمامها، وأن يذكر بأن نصرة المظلوم لا ينبغي أن تكون انتقائية، وأن حرمة الدم لا تتجزأ، وأن المقدسات لا تفقد مكانتها حين يصبح الدفاع عنها مكلفًا سياسيًا.

يا فضيلة المفتي، هل غابت عنكم أخبار فلسطين؟ هل لم تصلكم صور البيوت المدمرة، والأمهات اللواتي يبحثن عن أطفالهن بين الركام، والآباء الذين يحملون أبناءهم إلى مثواهم الأخير، والعائلات التي افترشت الخيام بعدما فقدت بيوتها وأمنها وأبسط مقومات الحياة؟ أم أن هذه المأساة، بما امتدت إليه من سنوات طويلة، أصبحت خبرًا مألوفًا لا يستدعي فتوى، ولا يوقظ ضميرًا، ولا يستحق نداءً بحجم الألم الذي يعيشه شعب كامل؟

لقد تحمل الفلسطينيون أكثر من ثمانين عامًا من التشريد والاحتلال والقتل والمعاناة، ودفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن أرضهم وحقهم في الحياة، وعن القدس التي تحتل مكانة عظيمة في الوجدان الإسلامي والعربي. ثم جاءت حرب غزة لتكشف للعالم، مرة أخرى، حجم المأساة التي يعيشها شعبنا، وتضع الضمير الإنساني أمام امتحان لا يجوز الهروب منه.

غزة التي عرفها العالم مدينةً للحياة والأمل، تحولت أحياؤها إلى ركام، وامتلأت ساحاتها بالخيام، وانقطعت عن أهلها سبل الحياة الأساسية من ماء وكهرباء وغذاء ودواء في ظروف بالغة القسوة. كان صوت القصف يعلو على كل صوت، وكانت صرخات الأمهات تتردد في الأزقة والمستشفيات ومراكز النزوح، بينما يبحث الأطفال عن مأوى، ويبحث الجرحى عن علاج، ويبحث الناجون عن أحبائهم تحت الأنقاض.

وفي الوقت الذي كانت فيه غزة تواجه هذا الجحيم، كانت الحياة في أماكن أخرى تمضي بصخبها واحتفالاتها. وقد أثار في نفسي، كما أثار لدى كثيرين، التناقض المؤلم بين مشاهد الترفيه والاحتفال في المنطقة ومشاهد الموت التي كانت تصلنا من غزة. ولا أريد أن أحوّل المسألة إلى خصومة مع فنانة أو مناسبة بعينها؛ فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنما أتساءل عن معنى التضامن العربي والإسلامي حين يصبح الألم الفلسطيني حاضرًا في نشرات الأخبار، لكنه لا يجد دائمًا ما يستحقه من تحرك جاد وموقف مؤثر.

لقد توقفت الفنانة نانسي عجرم عن الغناء حين ارتفع الأذان للصلاة، وهو موقف يستحق التقدير في حدوده، لكن السؤال الذي يوجعنا نحن الفلسطينيين أكبر من ذلك: هل يكفي احترام شعيرة دينية في لحظة عابرة، بينما تظل مأساة شعب بأكمله بحاجة إلى مواقف عملية تحمي حياته وحقوقه؟ إن احترام الأذان أمر، ونصرة المظلوم مسؤولية أخرى لا ينبغي أن تغيب عن الوعي أو تُختزل في مشهد رمزي.

يا أصحاب الفتاوى والمنابر، إن القدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، وغزة ليست جرحًا محليًا يمكن للعالم أن يتعايش معه، والمقدسات ليست عنوانًا يُستدعى عندما تتوافق الظروف، ثم يُترك حين تشتد الأزمات. إنها مسؤولية أخلاقية ودينية وإنسانية تتطلب الكلمة الصادقة، والموقف العادل، والعمل الذي يخفف المعاناة ويحمي المدنيين ويدافع عن الحقوق المشروعة.

لقد علمنا التاريخ أن القدس لم تكن يومًا مدينة عادية في وجدان المسلمين. ويستحضر الوعي الإسلامي موقف الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين تسلّم مفاتيح المدينة، بوصفه صفحة بارزة في تاريخها الإسلامي. ولم تكن قيمة القدس يومًا في حجارتها وحدها، بل في مكانتها الدينية والتاريخية، وفي ارتباطها بضمير أمة كاملة. ولذلك فإن الدفاع عن حق أهلها في الأمن والكرامة والعبادة، ورفض الاعتداء على مقدساتهم، ينبغي أن يكون موقفًا ثابتًا لا تحكمه المصالح الآنية.

كما أن النص القرآني الذي يستحضره الفلسطينيون في حديثهم عن المسجد الأقصى، وما ارتبط به من تاريخ ووعود وعبر، ليس مادة لاستدعاء الغضب وحده، بل دعوة إلى فهم المسؤولية، واستلهام دروس التاريخ، والتمسك بالحق، وعدم الاستسلام لليأس. فالإيمان لا يعفينا من التفكير، ولا يُغني عن العمل، ولا يجعل الصمت عن آلام المظلومين فضيلة.

وإذا كان لكل أزمة سياقها وأسبابها، فإن ذلك لا يبرر ازدواجية المعايير في التعامل مع المظالم. لا ينبغي أن تصبح معاناة شعب سببًا لاستنفار الخطاب الديني والسياسي، بينما تُعامل معاناة شعب آخر باعتبارها واقعًا يمكن تأجيل النظر فيه. ولا يجوز أن تتقدم الاعتبارات السياسية على قيمة الإنسان، أو أن تُستخدم اللغة الدينية في تعبئة الناس لقضية، ثم يغيب الصوت نفسه عندما يتعلق الأمر بدماء الفلسطينيين وحقوقهم.

إنني أكتب من غزة، لا من مقعد المراقب البعيد. أكتب من مكان يعرف فيه الناس معنى فقدان البيت، وغياب الأمان، وانتظار الخبر، والخوف على الأبناء، والعجز عن توفير أبسط احتياجات الحياة. أكتب بلسان امرأة فلسطينية ترى المأساة من الداخل، وتريد أن تقول للأمة إننا تعبنا من أن تكون حكايتنا مجرد مشهد عابر في نشرات الأخبار، أو فقرة مؤثرة في خطاب، أو دمعة تنتهي بانتهاء المشهد.

لسنا شعبًا ينتظر الشفقة، ولا نريد أن نكون ضحايا دائمين في ذاكرة الآخرين. نحن شعب يريد الحياة والحرية والكرامة، ويتمسك بحقه في أرضه وبناء مستقبله، ويؤمن بأن الإنسان الفلسطيني يستحق أن يعيش كما يعيش سائر البشر، دون خوف دائم من القصف أو التهجير أو فقدان البيت والأهل.

وقد تبدو لنا، نحن الفلسطينيين، في لحظات القهر، أن العالم تركنا وحدنا، وأن ما تبقى لنا هو الله سبحانه وتعالى، ثم إرادتنا وصمودنا وقدرتنا على النهوض من بين الركام. لكن هذا الشعور لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع الأمة، بل إلى دعوة صريحة لها كي تستعيد مسؤوليتها، وتحوّل تعاطفها إلى فعل، وشعاراتها إلى سياسات، ومواقفها المعلنة إلى جهود حقيقية لحماية المدنيين، وإغاثة المنكوبين، ووقف الاعتداءات، وصون الحقوق الفلسطينية المشروعة.

لقد راكم شعبنا، عبر سنوات الألم والتجارب المريرة، خبرةً ووعيًا ونضجًا لا يمكن تجاهلها. ونحن نؤمن بأن بناء كيان فلسطيني مستقل قادر على حماية حقوق شعبه وصناعة مستقبله يحتاج إلى وحدة الصف، والتعليم، والمؤسسات القوية، والعمل السياسي الواعي، والدعم العربي والدولي العادل. لن نبني مستقبلنا بالانتظار وحده، ولن نترك مصيرنا رهينة لغياب الآخرين، لكننا في الوقت نفسه لن نتنازل عن حقنا في أن نجد من أمتنا موقفًا يليق بحجم قضيتنا وعدالتها.

نداء إلى أصحاب الفتاوى: اجعلوا ميزانكم واحدًا، وصوتكم حاضرًا لكل مظلوم.

نداء إلى العرب والمسلمين: لا تتركوا القدس وغزة أسيرتين للصمت، ولا تجعلوا الاعتياد على المأساة يقتل فيكم الإحساس بها.

نداء إلى العالم: إن الفلسطيني إنسان، ودمه ليس أقل قيمة، وطفله ليس أقل استحقاقًا للحياة، وبيته ليس مباحًا للهدم، وكرامته ليست موضوعًا قابلًا للتأجيل.

نداء أخير من غزة: نحن لا نطلب من أحد أن يحارب نيابة عنا، ولا أن يغامر بحياة شعبه، وإنما نطلب عدلًا لا يتجزأ، وموقفًا لا ينتقي ضحاياه، وصوتًا دينيًا وإنسانيًا لا يصمت أمام الألم. نريد أن نعيش، وأن نحمي مقدساتنا، وأن نبني مستقبل أبنائنا، وأن نرى يومًا تُعامل فيه فلسطين باعتبارها قضية حق وحرية وكرامة، لا مجرد خبر يتكرر حتى يعتاد العالم سماعه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى