حين تتكلم الرمال .. أفريقيا المنسية

أعداد. د/ مها بسطاوى

حين يُذكر تاريخ إفريقيا، تتجه الأذهان غالبًا إلى الملوك والمحاربين والقادة الرجال. هكذا اعتدنا أن تُروى الحكايات، وهكذا كُتبت معظم صفحات التاريخ. لكن الحقيقة أن القارة الإفريقية عرفت عبر قرون طويلة نساء لم يكنّ مجرد زوجات لملوك أو أمهات لأمراء، بل كنّ حاكمات وقائدات عسكريات وصانعات قرار غيّرن مصير شعوب بأكملها. بعضهن وقفن في مواجهة إمبراطوريات كبرى، وبعضهن قدن جيوشًا إلى ساحات القتال، وبعضهن أسسن تقاليد سياسية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم.

المشكلة ليست أن هذه النساء لم يعشن أو لم يتركن أثرًا، بل أن التاريخ العالمي لم يمنحهن المكانة التي منحها لغيرهن. فبينما يعرف العالم أسماء ملكات أوروبا وقائداتها، تظل أسماء إفريقية كثيرة محصورة في الكتب المتخصصة والأبحاث الأكاديمية. وكأن القارة التي أنجبت آلاف الملوك لم تنجب امرأة واحدة تستحق الذكر.

لكن الرمال لا تنسى، حيث أنه تحت رمال النوبة، وعلى سواحل أنجولا، وبين غابات غرب إفريقيا، وفي سهول إثيوبيا القديمة، ما زالت قصص النساء اللواتي حكمن وقررن وقاتلن حية، تنتظر من يعيد روايتها.

وربما أول ما يلفت الانتباه أن مكانة المرأة في كثير من المجتمعات الإفريقية التقليدية كانت مختلفة عما يتصوره البعض. فبينما كانت بعض المجتمعات في أجزاء أخرى من العالم تحصر النساء في أدوار اجتماعية محددة، عرفت مجتمعات إفريقية عديدة أشكالًا متنوعة من المشاركة النسائية في الحكم وإدارة الدولة والوساطة السياسية. وفي بعض الممالك كانت الأنساب الملكية تنتقل عبر خط الأم، مما منح النساء نفوذًا مؤثرًا داخل الأسرة الحاكمة وفي تحديد ورثة العرش وصناعة التحالفات.

ومن أرض النوبة، تلك المنطقة التي أنجبت حضارات عظيمة على ضفاف النيل، تبرز واحدة من أكثر الشخصيات النسائية إثارة في تاريخ إفريقيا القديم: الملكة أماني ريناس، ففي الوقت الذي كانت فيه روما في أوج قوتها. لم تكن مجرد دولة، بل إمبراطورية تمد سلطتها على مساحات هائلة من العالم المعروف. كانت جيوشها تكتسح البلدان تباعًا، وكانت الشعوب تنحني أمامها خوفًا أو طمعًا. لكن على حدود مصر الجنوبية وقفت امرأة رفضت الخضوع، وكانت هذه المرأة هي أماني ريناس التي كانت تحكم مملكة كوش في وقت شهد توسع النفوذ الروماني بعد سقوط الدولة البطلمية في مصر. ومع تصاعد التوتر بين الطرفين اندلعت المواجهة. ولم تكتف الملكة بإدارة الحرب من قصرها، بل ارتبط اسمها بقيادة المقاومة ضد القوات الرومانية، وأصبحت رمزًا للتحدي في وجه إحدى أقوى الإمبراطوريات في التاريخ.

 

تخيل معي المشهد:

إمبراطورية تضم ملايين البشر وجيوشًا مدربة ومنظمة، تواجه مملكة إفريقية تقودها امرأة فقدت إحدى عينيها خلال الصراعات. كان المنطق السياسي السائد يقول إن النتيجة محسومة مسبقًا. لكن التاريخ لا يسير دائمًا وفق المنطق.

استمرت المقاومة الكوشية لسنوات، وأثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإخضاع الشعوب التي تتمسك باستقلالها. وفي النهاية لم تختف كوش، ولم تسقط كما توقع كثيرون، بل انتهت المواجهة بتسوية سياسية حافظت للمملكة على قدر معتبر من استقلالها. وهنا تتجلى أهمية أماني ريناس؛ فهي لم تكن مجرد قائدة حرب، بل كانت أيضًا قائدة دولة استطاعت حماية مصالح شعبها في لحظة تاريخية شديدة الخطورة.

غير أن قصة النساء الإفريقيات لم تتوقف عند ضفاف النيل.

فعلى بعد آلاف الكيلومترات إلى الجنوب الغربي، وفي القرن السابع عشر الميلادي، ظهرت ملكة أخرى لا تقل إثارة عن نظيرتها النوبية. كانت تعرف باسم نزينجا، حاكمة ندونغو وماتامبا في المنطقة التي تشكل جزءًا من أنغولا الحالية.

عاشت نزينجا في زمن كانت فيه تجارة الرقيق والتوسع الأوروبي يعيدان تشكيل إفريقيا بصورة عنيفة. كانت البرتغال تسعى إلى توسيع نفوذها والسيطرة على طرق التجارة والموارد البشرية. وكما حدث في أماكن كثيرة من العالم، لم يكن السكان المحليون طرفًا متكافئًا في هذا الصراع.

 

لكن نزينجا لم تكن حاكمة تقليدية، بل امتلكت قدرة استثنائية على المناورة السياسية والدبلوماسية. تفاوضت حين احتاجت إلى التفاوض، وقاتلت حين أصبح القتال ضرورة، وأدركت أن البقاء في عالم مضطرب يتطلب مرونة لا تقل أهمية عن الشجاعة.

تحكي الروايات الشهيرة أن أحد المفاوضين البرتغاليين تعمد ألا يوفر لها مقعدًا أثناء لقاء رسمي ليؤكد تفوقه السياسي والرمزي، فما كان منها إلا أن أمرت إحدى وصيفاتها بالانحناء وجلست فوق ظهرها لتجري المفاوضات على المستوى نفسه. سواء نظرنا إلى الحادثة باعتبارها حدثًا تاريخيًا حرفيًا أو رمزًا سياسيًا، فإنها تعبر بوضوح عن شخصية امرأة رفضت أن تُعامل باعتبارها أقل شأنًا من خصومها.

نجحت نزينجا لعقود طويلة في الحفاظ على استقلال نسبي لمملكتها، وأصبحت لاحقًا واحدة من أبرز رموز المقاومة الإفريقية ضد الهيمنة الأجنبية. واليوم لا تزال صورتها حاضرة في الذاكرة الوطنية لأنغولا باعتبارها إحدى الشخصيات المؤسسة للهوية التاريخية للبلاد.

وفي غرب إفريقيا تظهر قصة مختلفة، لكنها لا تقل قوة.

هناك نجد ياعا أسانتيوا، المرأة التي تحولت إلى رمز للمقاومة في ساحل الذهب، أي غانا الحالية. لم تكن ملكة بالمعنى التقليدي، لكنها كانت زعيمة سياسية مؤثرة داخل مملكة الأشانتي، إحدى أقوى الكيانات السياسية في غرب إفريقيا خلال القرن التاسع عشر.

في ذلك الوقت كانت بريطانيا توسع سيطرتها الاستعمارية على المنطقة، ووجدت الأشانتي أنفسهم أمام تحدٍ وجودي. وتروي المصادر أن كثيرًا من القادة ترددوا في خوض مواجهة مباشرة مع البريطانيين بسبب اختلال ميزان القوى. عندها وقفت ياعا أسانتيوا وألقت خطابًا أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية الغانية، كان جوهر رسالتها بسيطًا ومباشرًا: إذا كان الرجال لن يقاتلوا دفاعًا عن وطنهم، فإن النساء سيفعلن.

لم يكن الخطاب مجرد كلمات حماسية، بل تحول إلى فعل. فقد قادت المقاومة في ما يعرف تاريخيًا بحرب المقعد الذهبي، وأصبحت رمزًا للإصرار الوطني ورفض الاستسلام. ورغم أن المواجهة انتهت بتفوق البريطانيين عسكريًا، فإن اسمها بقي حيًا أكثر من أسماء كثيرين انتصروا في المعارك ثم نساهم التاريخ.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة، الانتصار في التاريخ لا يعني دائمًا الفوز العسكري. أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي هو أن تترك أثرًا يتجاوز زمنك. وهذا ما فعلته ياعا أسانتيوا. فقد تحولت من شخصية سياسية إلى رمز ثقافي ووطني تستلهم منه الأجيال معاني المقاومة والكرامة.

ومن الخطأ أن نتخيل أن هذه النماذج كانت استثناءات نادرة ومعزولة. فالتاريخ الإفريقي مليء بأمثلة مشابهة، وإن تفاوتت درجة شهرتها. ففي إثيوبيا برزت الإمبراطورة زوديتو في فترة شهدت تحولات عميقة في الدولة الإثيوبية. وفي مناطق أخرى لعبت الملكات والأمهات الملكيات أدوارًا محورية في إدارة شؤون الحكم وصناعة القرار. بل إن بعض المجتمعات الإفريقية عرفت مؤسسات سياسية تمنح النساء سلطات رسمية داخل هياكل الحكم.

*وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: لماذا نجهل كل هذه القصص؟*

جزء من الإجابة يعود إلى طبيعة كتابة التاريخ نفسها. فمعظم السرديات العالمية الحديثة تشكلت خلال فترات كانت أوروبا فيها مركز إنتاج المعرفة الأكاديمية. ونتيجة لذلك حصل التاريخ الأوروبي على مساحة هائلة من الاهتمام والدراسة، بينما بقيت أجزاء واسعة من التاريخ الإفريقي على الهامش؛ والجزء الآخر يتعلق بالصورة النمطية التي تشكلت عن إفريقيا خلال العصر الاستعماري. فقد جرى تصوير القارة في كثير من الأحيان باعتبارها فضاءً بلا مؤسسات سياسية متطورة أو نظم حكم مستقرة. وكانت هذه الصورة تخدم مشاريع السيطرة الاستعمارية؛ لأن الشعوب التي تُصوَّر على أنها بلا تاريخ يسهل الادعاء بأن الاستعمار جاء ليمنحها التاريخ.

لكن دراسة سير هؤلاء النساء تكشف العكس تمامًا، فوجود ملكات وقائدات وجيوش وتحالفات ومفاوضات ومعاهدات سياسية يدل على وجود نظم حكم معقدة ومجتمعات قادرة على إنتاج مؤسساتها الخاصة. لم تكن إفريقيا فراغًا ينتظر من يملأه. كانت عالمًا كاملًا له صراعاته وإنجازاته وأبطاله وبطلاته.

واللافت أن كثيرًا من هؤلاء النساء لم يُبنِ مجدهن على القرابة من الرجال، بل على كفاءتهن الشخصية. فالتحديات التي واجهنها لم تكن بسيطة. كان عليهن التعامل مع خصوم خارجيين، وصراعات داخلية، وأحيانًا مع نظرات تشكك في قدرتهن على القيادة بسبب كونهن نساء. ومع ذلك نجحن في فرض أنفسهن على الساحة السياسية والعسكرية.

وربما لهذا السبب تبدو قصصهن معاصرة رغم مرور قرون طويلة عليها.

فحين نقرأ عن امرأة تواجه إمبراطورية كبرى دفاعًا عن استقلال بلادها، أو عن قائدة تحاول حماية شعبها وسط صراع دولي معقد، أو عن زعيمة ترفض الإذلال السياسي وتتمسك بكرامتها، فإننا لا نقرأ حكايات بعيدة عن واقع البشر. نحن نقرأ قصصًا تتكرر بأشكال مختلفة في كل زمان.

إن مشكلة التاريخ ليست دائمًا في غياب الأحداث، بل في اختيار ما نتذكره وما ننساه. وهناك صفحات كاملة من تاريخ إفريقيا استحقت أن تُروى بصورة أفضل مما رُويت بها.

لقد عرف العالم أسماء كثيرة لملوك وقادة وغازين. كُتبت عنهم الكتب، وصُنعت عنهم الأفلام، ونُصبت لهم التماثيل. لكن في المقابل بقيت أسماء نساء إفريقيات كثيرات حبيسة هوامش الكتب رغم أن تأثيرهن لم يكن أقل شأنًا من تأثير نظرائهن الرجال.

ولهذا فإن استعادة قصص أماني ريناس ونزينجا وياعا أسانتيوا وغيرهن ليست مجرد محاولة لإنصاف شخصيات تاريخية، بل هي أيضًا محاولة لإنصاف قارة كاملة. فحين تُروى هذه القصص يعود جزء من إفريقيا المنسية إلى الواجهة، ويصبح التاريخ أكثر اكتمالًا وعدلًا.

لقد كتبت كثير من الشعوب تاريخها بالحبر، لكن بعض النساء الإفريقيات كتبن تاريخهن بالسيف والإرادة والصمود. لم ينتظرن من أحد أن يمنحهن مكانة أو شرعية، بل انتزعنها بقدرتهن على القيادة في أصعب الظروف.

وعندما تتكلم رمال إفريقيا اليوم، فإنها لا تحكي فقط عن ملوك جلسوا على العروش، بل تحكي أيضًا عن ملكات وقفن في وجه الإمبراطوريات، وحملن أوطانهن على أكتافهن، ورفضن أن يبتلعهن النسيان.

تلك هي إفريقيا التي لا نراها كثيرًا في الكتب المدرسية، إفريقيا التي أنجبت نساءً لم يكنّ ظلًا للتاريخ، بل كنّ من صانعيه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى