*لغز قصر جليم.. القصر الذي هزمه الزمن فصنع له الناس ألف أسطورة*


بقلم : د. مها بسطاوى
في الإسكندرية، المدينة التي تعيش بين البحر والتاريخ، توجد أماكن لا تحتاج إلى دعاية حتى تبقى حية في الذاكرة. يكفي أن تمر بجوارها مرة واحدة لتشعر أن وراءها حكاية لم تروي كاملة بعد. ومن بين هذه الأماكن *قصر جليم* ، المبنى العتيق الذي ظل لعقود طويلة واحدًا من أكثر معالم المدينة إثارة للفضول. فبينما كانت السيارات تمر أمامه يوميًا، وكانت أمواج البحر تضرب الشاطئ القريب منه بلا توقف، ظل القصر واقفًا في صمت غامض، كأنه يحتفظ بسر لا يريد لأحد أن يعرفه. ومع مرور السنوات لم يعد الناس يتحدثون عن جماله المعماري فقط، بل بدأوا يتحدثون عن اللغز الذي يحيط به، وعن الحكايات التي خرجت من بين جدرانه، حتى تحول من قصر تاريخي إلى واحدة من أشهر أساطير الإسكندرية المعاصرة.
*من قصر للأمراء إلى أيقونة للغموض*
بدأت قصة القصر في السنوات الأولى من القرن العشرين عندما كانت الإسكندرية تعيش عصرها الذهبي. في تلك الفترة كانت المدينة ملتقى للثقافات والتجارة والأثرياء، وكانت المنافسة قائمة بين كبار العائلات على بناء القصور الفخمة المطلة على البحر. وسط هذا المشهد ولد [قصر عزيزة فهمي] عام 1905، بعدما شُيد للأميرة [عزيزة هانم فهمي] ابنة [علي باشا فهمي] القصر الأوروبي الفاخر ليضعه بين أجمل قصور المدينة وأكثرها تميزًا.
لم يكن القصر مجرد مسكن راقي لعائلة ثرية، بل كان رمزًا لعصر كامل من الرفاهية والنفوذ، فكانت قاعاته الواسعة تستقبل الضيوف، وكانت شرفاته المطلة على البحر تمنح ساكنيه مشهدًا يخطف الأنفاس كل صباح. وفي ذلك الزمن لم يكن أحد يتصور أن المبنى الذي ولد وسط البهجة والحياة سيتحول يومًا إلى مكان يثير الخوف والفضول في الوقت نفسه.
*عندما بدأ الصمت يبتلع المكان*
مرت السنوات وتغيرت مصر كثيرًا. سقطت عصور وجاءت أخرى، وتبدلت أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية كانت تبدو ثابتة إلى الأبد. ومع هذه التغيرات فقدت قصور كثيرة أدوارها القديمة، وكان *قصر جليم* واحدًا منها. شيئًا فشيئًا خفتت الحركة داخله، وأصبحت أبوابه أقل استقبالًا للزوار، حتى دخل مرحلة طويلة من العزلة. وبمرور الوقت تحول من معلم نابض بالحياة إلى مبنى مغلق لا يعرف المارة ما الذي يجري خلف أسواره.
وهنا بدأت الأسطورة.
فالإنسان بطبيعته لا يحب الأماكن الصامتة، ولا يحتمل الغموض طويلًا. وعندما يغيب التفسير الحقيقي يبدأ الخيال في صناعة تفسيراته الخاصة. لذلك كان طبيعيًا أن يتحول القصر إلى مادة خصبة للشائعات والروايات الشعبية التي لا تنتهي.
*الأشباح التي ولدت من الفراغ*
في كثير من مدن العالم توجد بيوت مسكونة، لكن في الإسكندرية كان هناك قصر كامل تحيط به القصص. بدأت الحكايات صغيرة ثم أخذت تكبر مع مرور الزمن، فقيل إن أنوارًا ظهرت داخل غرفه المغلقة ليلًا، وقيل إن بعض سكان المنطقة سمعوا أصواتًا غريبة آتية من الداخل رغم خلو المكان من السكان. وتحدث آخرون عن ظلال تتحرك خلف النوافذ القديمة بعد منتصف الليل.
لم يكن لدى أحد دليل حقيقي يثبت تلك الروايات، لكن ذلك لم يمنع انتشارها. فالحكايات المثيرة لا تحتاج دائمًا إلى أدلة، بل تحتاج إلى خيال خصب وآذان مستعدة للتصديق. ومع كل عام جديد كانت تضاف تفصيلة جديدة إلى الأسطورة، حتى أصبح كثيرون يعرفون القصر من خلال قصصه الغامضة أكثر مما يعرفونه من خلال تاريخه الحقيقي.

*اللغز الحقيقي لم يكن وراء النوافذ*
عندما كانت الشائعات تملأ الشارع السكندري، كانت هناك قصة أخرى أكثر تعقيدًا تدور في الواقع. فقد دخل القصر في نزاعات قانونية طويلة تتعلق بالملكية والمستقبل والمصير، وأدى ذلك إلى بقائه لفترات طويلة خارج دائرة الاستخدام الطبيعي. وتحولت قضيته إلى واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل بين المهتمين بالتراث والحفاظ على المباني التاريخية.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى. فالناس كانوا يبحثون عن سر مخفي داخل الغرف المغلقة، بينما كان اللغز الحقيقي موجودًا في الأوراق والملفات والقرارات القانونية. كان السؤال الذي يشغل المهتمين بالتراث ليس ما إذا كانت الأشباح تسكن القصر، بل ما إذا كان القصر نفسه سيتمكن من البقاء على قيد الحياة.
*معركة بين التاريخ والاستثمار*
لم يكن قصر جليم مجرد مبنى قديم، بل كان قطعة من الذاكرة المعمارية للإسكندرية. لكن قيمته التاريخية الكبيرة ارتبطت أيضًا بقيمة استثمارية ضخمة بسبب موقعه المميز على البحر. وهنا بدأت معركة من نوع آخر، معركة بين من يرون في المكان جزءًا من تاريخ المدينة يجب الحفاظ عليه، ومن ينظرون إليه باعتباره موقعًا يمكن استثماره اقتصاديًا.
غير أن القصر كان يتمتع بحماية ناتجة عن تسجيله ضمن المباني التراثية ذات القيمة المميزة، وهو ما ساهم في الحفاظ على طابعه المعماري ومنع تغييرات كان يمكن أن تفقده هويته التاريخية.
كانت تلك لحظات حاسمة في عمر المبنى. فكم من قصر جميل اختفى من خريطة المدن العربية لأن أحدهم رأى أن قطعة الأرض أهم من التاريخ القائم فوقها؟ وكم من مبنى عريق تحول إلى مجرد صورة في كتاب قديم لأنه لم يجد من يدافع عنه؟ لذلك لم تكن قضية قصر جليم مجرد قضية تخص مبنى واحدًا، بل كانت اختبارًا لعلاقة المدينة بذاكرتها نفسها.
*لماذا أحب السكندريون أسطورة القصر؟*
الحقيقة أن سر جاذبية قصر جليم لا يكمن فقط في تصميمه أو عمره أو موقعه، بل في قدرته على تمثيل صورة الإسكندرية القديمة. فعندما ينظر الناس إليه لا يرون مجرد حجارة وزخارف، بل يرون مدينة كانت مختلفة. مدينة أكثر هدوءًا واتساعًا وأناقة. مدينة كان البحر فيها جزءًا من الحياة اليومية، وكانت العمارة تعبيرًا عن الذوق والفن أكثر من كونها مشروعًا تجاريًا.
ولهذا السبب أصبح القصر رمزًا للحنين. وكلما ازداد الحنين إلى الماضي ازدادت قوة الأسطورة المحيطة به. فالغموض هنا لم يكن مجرد مجموعة شائعات، بل كان انعكاسًا لرغبة الناس في التمسك بشيء من الإسكندرية التي عرفوها أو سمعوا عنها من آبائهم وأجدادهم.
*الأشباح الحقيقية التي سكنت القصر*
إذا كانت هناك أشباح حقيقية داخل قصر جليم، فهي ليست الأشباح التي يتحدث عنها هواة قصص الرعب. الأشباح الحقيقية كانت أشباح الزمن. كانت ذكريات الحفلات القديمة التي انتهت، وضحكات الضيوف التي اختفت، وعصور الثراء التي رحلت، والمدينة التي تغير وجهها تدريجيًا. كان القصر شاهدًا على كل ذلك، ولذلك بدا أحيانًا وكأنه يحمل في جدرانه حزن قرن كامل من التحولات.
فكل نافذة مغلقة كانت تروي قصة، وكل ركن مهمل كان يحمل أثر زمن مضى، وكل تفصيلة معمارية كانت تذكر المارة بأن التاريخ لا يختفي فجأة، بل يتآكل ببطء أمام أعيننا إذا لم ننتبه إليه.
*لماذا سيبقى لغز قصر جليم حيًا؟*
رغم مرور أكثر من قرن على بناء القصر، ما زالت حكايته حاضرة بقوة. وما زال المارة يتوقفون أمامه، وما زال اسمه يثير الفضول، وما زالت القصص تدور حوله حتى بين الأجيال الجديدة التي لم تعش شيئًا من تاريخه القديم. والسبب في ذلك أن القصر أصبح أكثر من مجرد مبنى أثري. لقد تحول إلى رمز. رمز لمدينة عاشقة للحكايات، ورمز لمعركة دائمة بين الذاكرة والنسيان، ورمز لحقيقة بسيطة تقول إن الأماكن العظيمة لا تموت عندما تُهجر، بل تبدأ عندها حياة أخرى داخل خيال الناس.
وفي النهاية، ربما يكون هذا هو السر الحقيقي وراء لغز قصر جليم. فالقصة لم تكن أبدًا قصة أشباح أو أسرار مدفونة أو أحداث خارقة للطبيعة. القصة كانت عن قصر جميل بناه أصحاب الثروة في زمن الازدهار، ثم تركته التحولات الكبرى وحيدًا في مواجهة الزمن، فتحول مع الصمت والإهمال والنزاعات الطويلة إلى أسطورة سكندرية خالصة. ولهذا سيظل قصر جليم واقفًا أمام البحر، لا كأحد أجمل مباني الإسكندرية فقط، بل كحكاية مفتوحة ترفض أن تنتهي، وكشاهد صامت على مدينة لا تكف أبدًا عن صناعة الأساطير.