اليمن خلف بوابة الإنترنت المغلقة.. من يملك مفاتيح الاتصال بالعالم، ومن يحوّلها إلى سلطة ونفوذ؟

من الكابلات البحرية التي تعبر أعماق البحار، إلى بوابات الاتصالات التي تمر عبرها بيانات ملايين اليمنيين، تمتد شبكة معقدة من المصالح والموارد والقرارات التي تتحكم في اتصال بلد كامل بالعالم.
في اليمن، لا تبدأ حكاية الإنترنت من الهاتف الذي يحمله المواطن، ولا تنتهي عند سرعة التحميل التي تظهر على الشاشة. خلف كل اتصال شبكة من الكابلات البحرية، والمحطات الأرضية، والبوابات الدولية، ومراكز البيانات، وشركات الاتصالات، والجهات التي تمنح التراخيص وتدير حركة المعلومات.
هذه البنية ليست مجرد خدمة تقنية. إنها شريان اقتصادي تمر عبره التحويلات المالية، والمعاملات المصرفية، والتجارة الإلكترونية، والتعليم، والإعلام، والاتصالات الحكومية، وأعمال المؤسسات والمنظمات.
ومن يملك القدرة على التحكم في هذا الشريان يمتلك تأثيرًا يتجاوز قطاع الاتصالات إلى الاقتصاد والإدارة والمعلومات، ويمتد إلى موازين النفوذ السياسي داخل الدولة.
وفي بلد يعيش انقسامًا مؤسسيًا وحربًا ممتدة، تصبح السيطرة على مفاتيح الاتصال بالعالم قضية تتجاوز جودة الإنترنت، لتصل إلى سؤال السيادة: من يملك البنية؟ ومن يديرها؟ ومن يحدد شروط الوصول إليها؟
أولًا: الإنترنت اليمني.. طريق طويل قبل أن يصل إلى هاتفك
عندما يفتح المستخدم موقعًا إلكترونيًا أو يرسل رسالة إلى الخارج، تبدو العملية بسيطة، لكنها تمر عبر طبقات متعددة من البنية التحتية.
تبدأ الرحلة من شبكة مزود الخدمة المحلي، ثم تنتقل عبر شبكات الألياف الضوئية إلى نقاط الربط والبوابات الدولية، ومنها إلى الشبكات العالمية. وقد تعبر البيانات كابلات بحرية أو وصلات أرضية أو منظومات اتصال فضائية، وفق المسار المتاح وترتيبات الربط بين المشغلين.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات:
الأول: الكابل البحري. وهو المسار المادي الذي يحمل البيانات عبر الألياف الضوئية في قاع البحر، ويربط الدول والقارات.
الثاني: محطة الإنزال والبوابة الدولية. وهي البنية التي تستقبل الاتصال القادم من الكابل وتربطه بالشبكات الأرضية وشركات الاتصالات الدولية.
الثالث: مزود خدمة الإنترنت. وهو الجهة التي تقدم الاتصال للمستخدم النهائي وتحدد الباقات والسرعات وشروط الاشتراك.
امتلاك محطة إنزال لا يعني بالضرورة امتلاك الكابل، كما أن مرور كابل في المياه الإقليمية لا يعني أن الدولة تتحكم وحدها في كامل سعته أو في جميع البيانات العابرة من خلاله.
هذه الفروق مهمة لفهم من يملك ماذا في قطاع الاتصالات اليمني، ومن يمتلك النفوذ الفعلي على حركة البيانات.
ثانيًا: الكابلات البحرية.. اليمن على خريطة الاتصال الدولي
يمتلك اليمن موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية عند ملتقى البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وهي منطقة تمر عبرها طرق التجارة والاتصالات الدولية.
هذا الموقع يمنح اليمن فرصة استراتيجية ليكون نقطة ربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى قوة رقمية ما لم تتوافر البنية التحتية والاستثمارات والإدارة المستقرة.
ومن أبرز الكابلات والأنظمة التي ارتبطت بخريطة الاتصال اليمنية:
كابل FALCON: من الأنظمة التي ارتبطت بمحطات إنزال في الحديدة والغيضة، وتذكر شركة تيليمن في تاريخها أنها وقعت اتفاقًا لتركيب محطتين أرضيتين للكابل وتخصيص سعة اتصال لها.
كابل عدن–جيبوتي: يمثل مسارًا مباشرًا للربط بين اليمن والقرن الأفريقي، ويكتسب أهمية بسبب موقعه الجغرافي وصلته بشبكات الاتصال الإقليمية.
كابل AAE-1: نظام دولي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، وله نقطة إنزال في عدن وفق الدراسات التي تناولت البنية التحتية للاتصالات في اليمن.
كابل SEA-ME-WE 5: أحد أنظمة الكابلات الدولية الممتدة عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، وله نقطة إنزال مرتبطة بالحديدة وفق خرائط البنية التحتية المنشورة.
كما ترد منظومة Africa-1 ضمن خطط الربط ونقاط الإنزال التي تناولتها الدراسات، لكن وجود مشروع أو مسار مخطط لا يعني أنه دخل الخدمة بالفعل.
وتكشف دراسة مجموعة الأبحاث الاقتصادية الدولية عن فجوة بين الإمكانات الجغرافية والواقع التشغيلي؛ إذ أشارت إلى أن خمسة أنظمة كابلات يمكن أن توفر اتصالًا دوليًا لليمن، لكنها أوضحت أن عددًا منها لم يكن عاملًا في الفترة التي تناولتها الدراسة، وأن الانقسام السياسي والمؤسسي والأضرار الطبيعية والعسكرية أثرت في تشغيل البنية القائمة.
وهنا تكمن المشكلة: اليمن ليس خارج خريطة الكابلات العالمية، لكنه لم يستثمر موقعه بما يكفي لتحويله إلى شبكة اتصال مستقرة ومتعددة المسارات.
فالكابل الذي يصل إلى الشاطئ لا يضمن وحده اتصالًا مستمرًا؛ إذ يحتاج إلى محطة إنزال تعمل، وسعات متاحة، وربط أرضي، واتفاقات دولية، وإدارة قادرة على صيانة البنية وتشغيلها.
ثالثًا: تيليمن.. الشركة التي تقف عند بوابة العالم
تحتل الشركة اليمنية للاتصالات الدولية «تيليمن» موقعًا محوريًا في تاريخ الاتصالات اليمنية.
فبحسب تاريخ الشركة المنشور، بدأت عملها بوصفها المزود الحصري لخدمات الاتصالات الدولية منذ عام 1971، وكانت مرتبطة في تأسيسها بشركة Cable & Wireless البريطانية.
وفي عام 1989 دخلت المؤسسة العامة للاتصالات شريكًا في الشركة، ثم أصبحت ملكيتها في عام 2004 مملوكة للدولة بالكامل، بواقع 75% للمؤسسة العامة للاتصالات و25% للهيئة العامة للبريد والتوفير البريدي.
وتتمثل أهمية تيليمن في دورها التاريخي بوصفها مشغلًا للاتصالات الدولية بالجملة، وإدارتها للبوابة الدولية التي تربط الشبكات المحلية بالعالم الخارجي.
لكن موقع الشركة لم يكن منفصلًا عن الانقسام السياسي الذي أصاب مؤسسات الدولة. فقد أصبح وضع إدارتها ومقرها وتمثيلها القانوني وارتباطاتها التشغيلية جزءًا من الصراع على المؤسسات السيادية والموارد الاقتصادية.
وفي يناير 2025، أعلنت الجهات التابعة للتحالف السعودي في عدن نقل إدارة الشركة إلى عدن، في خطوة عكست حجم الخلاف حول مؤسسة لا تقتصر أهميتها على الجانب التجاري، بل ترتبط مباشرة بالاتصالات الدولية وبمصالح الدولة المالية والتنظيمية.
وهنا يظهر سؤال جوهري: عندما تنقسم المؤسسة التي تدير جزءًا أساسيًا من الاتصال الدولي، كيف يمكن ضمان استمرار الخدمة وتوحيد المسؤولية الفنية والقانونية؟
رابعًا: يمن نت وعدن نت.. شبكتان في بلد واحد
لم يتوقف الانقسام عند إدارة المؤسسات، بل امتد إلى شبكات تقديم الإنترنت نفسها.
تعمل يمن نت ضمن منظومة الاتصالات التي تديرها سلطات صنعاء، بينما ظهرت عدن نت عام 2018 بوصفها مشروعًا أطلقته الجهات التابعة للتحالف السعودي في عدن لتوفير شبكة بديلة في مناطق نفوذها.
وبدل أن تتطور الشبكتان ضمن استراتيجية وطنية موحدة تتكامل فيها البنية والخدمات، أصبح قطاع الاتصالات انعكاسًا للانقسام السياسي والإداري، وتعدد مراكز القرار المرتبطة بأطراف الصراع.
هذا الانقسام ينعكس على:
– إدارة البنية التحتية وتوسيع شبكات الألياف الضوئية.
– الاتفاقات مع شركات الاتصالات الدولية.
– تنظيم تراخيص المشغلين ومزودي الخدمة.
– إدارة الموارد والإيرادات والرسوم.
– تنسيق أعمال الصيانة وإصلاح الأعطال.
– توحيد المعايير الفنية وحماية بيانات المستخدمين.
ولا يعني وجود شبكتين بالضرورة أن إحداهما تمتلك كل مفاتيح الاتصال والأخرى معزولة تمامًا؛ فحركة البيانات الدولية قد تمر عبر ترتيبات وشركات وشبكات وسيطة متعددة.
لكن غياب التنسيق الوطني يجعل إدارة هذه المنظومة أكثر تعقيدًا، ويضاعف مخاطر الانقطاع والتكرار في الاستثمارات وتضارب القرارات.
خامسًا: البحر الأحمر.. حين تتحول الكابلات إلى نقطة ضعف استراتيجية
تبدو الكابلات البحرية بعيدة عن حياة المواطن اليومية، لكنها في الحقيقة من أكثر عناصر البنية الرقمية حساسية.
فأي عطل في كابل رئيسي أو محطة إنزال قد يؤثر في سعة الاتصال الدولي، ويؤدي إلى بطء الإنترنت أو انقطاع بعض الخدمات، خصوصًا عندما لا تتوافر مسارات بديلة كافية.
وقد كشف انقطاع كابل FALCON في يناير 2020 عن هشاشة الاتصال الدولي اليمني؛ إذ أشار البنك الدولي إلى أن سعة الإنترنت المتاحة انخفضت بأكثر من 80% بعد تضرر الكابل، في وقت كانت فيه البلاد تعاني أصلًا محدودية السعة والاضطرابات المؤسسية.
كما أن البحر الأحمر وخليج عدن يشهدان حركة ملاحية كثيفة، وتتعرض البنية البحرية لمخاطر متعددة، من الأعطال العرضية إلى الأضرار المرتبطة بالنشاط العسكري أو أعمال الصيانة المعقدة.
وفي عام 2024، عادت قضية الكابلات البحرية إلى الواجهة مع تعطل أنظمة اتصال في المنطقة، وظهور تحديات تتعلق بالوصول إلى مواقع الإصلاح والتصاريح والتنسيق بين الجهات المعنية.
وتزداد المشكلة عندما تتحول ملكية المؤسسة أو تمثيلها القانوني إلى موضع خلاف؛ لأن شركات الكابلات ومقاولي الصيانة يحتاجون إلى جهة واضحة يمكنها إصدار الموافقات والتوقيع على الترتيبات الفنية.
إن الخطر لا يكمن في احتمال تعطل كابل واحد فقط، بل في أن تكون الدولة معتمدة على عدد محدود من المسارات، من دون بدائل كافية أو منظومة صيانة واستجابة مستقرة.
سادسًا: من يربح من بوابة الإنترنت؟
قطاع الاتصالات ليس مجرد خدمة عامة؛ إنه سوق اقتصادي ضخم تتداخل فيه إيرادات الاشتراكات، والاتصالات الدولية، وبيع السعات، وتراخيص التشغيل، وخدمات الشركات، والبنية التحتية.
وفي اليمن، تتوزع المصالح بين المؤسسات القائمة في صنعاء وعدن، وشركات الهاتف المحمول ومزودي الإنترنت وشركات الاتصالات الدولية ومقاولي الكابلات ومحطات الإنزال.
وتكمن أهمية البوابة الدولية في أنها تمثل نقطة عبور بين السوق المحلية وشبكات العالم. ومن يسيطر على إدارة هذه البوابة أو على التعاقدات المرتبطة بها يمتلك قدرة على التأثير في تكلفة الاتصال وسعته وشروط توفيره.
كما أن شركات الهاتف المحمول تعتمد على بنية الاتصالات الدولية في تقديم خدمات البيانات، وتحتاج إلى سعات وربط مستقرين لتوسيع شبكاتها وتحسين خدماتها.
ومع انقسام المؤسسات، يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تعقيدًا: أين تذهب الإيرادات؟ من يجمع الرسوم؟ من يدفع تكاليف الصيانة؟ ومن يتحمل مسؤولية الاستثمار في الشبكة؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بتوزيع النفوذ داخل قطاع أصبح من أهم مصادر الموارد والخدمات في البلاد.
سابعًا: ستارلينك.. اتصال فضائي بين قرار عدن ومخاوف صنعاء السيادية
دخلت خدمة ستارلينك إلى المشهد اليمني من بوابة مختلفة عن الكابلات البحرية وشبكات الألياف الضوئية.
فهي تعتمد على منظومة أقمار صناعية ومحطات مستخدمين تتصل مباشرة بالشبكة الفضائية، ما يتيح الوصول إلى الإنترنت دون الاعتماد الكامل على البنية الأرضية المحلية.
في 6 أغسطس 2024، أُعلن عن اتفاق لترخيص الخدمة عبر المؤسسة العامة للاتصالات في عدن، لتتولى دور الوكيل المعتمد. وفي سبتمبر من العام نفسه أُعلنت المرحلة التجريبية في مناطق انتشار الجهات التابعة للتحالف السعودي.
لكن الخدمة لم تصبح متاحة في جميع أنحاء اليمن؛ فسلطات صنعاء رفضت تشغيلها في مناطق سيطرتها، وأعلنت وزارة الاتصالات التابعة لها في 18 سبتمبر 2024 أن الخدمة غير قانونية هناك، معتبرة أن منح الترخيص من طرف واحد يمس السيادة الوطنية ويثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي وخصوصية المواطنين وبياناتهم.
وتبع ذلك اتخاذ إجراءات لمنع تداول الأجهزة واستخدامها في مناطق سيطرة صنعاء، وصولًا إلى حملات المصادرة التي أعلنتها وزارة الاتصالات في مايو 2025، ثم تعميم هيئة التفتيش القضائي في 13 يناير 2026 بشأن الإجراءات القانونية المتعلقة بأجهزة ستارلينك.
لماذا تعترض صنعاء؟
يمكن فهم موقف صنعاء من خلال مجموعة من الاعتبارات السيادية والأمنية والتقنية، لا من خلال مسألة المنافسة التجارية أو رفض التكنولوجيا بحد ذاتها.
أولًا: غياب السيطرة الوطنية على البنية التشغيلية.
عندما تعمل منظومة اتصالات فضائية تديرها شركة خارجية، تصبح هناك أسئلة تتعلق بالجهة التي تتحكم في تشغيل الخدمة، وتحديد شروط الوصول إليها، وإدارتها الفنية، وتعليقها أو تقييدها. وهذه الصلاحيات تكتسب أهمية مضاعفة في بلد يعيش انقسامًا مؤسسيًا ونزاعًا ممتدًا.
ثانيًا: أمن المعلومات وخصوصية المستخدمين.
لا تتعلق المخاوف فقط بالمعلومات التي يرسلها المستخدم أو يستقبلها، بل تشمل البيانات المصاحبة للاتصال، مثل بيانات الحسابات والأجهزة، وأوقات الاتصال، وحجم حركة البيانات، وبعض المعلومات الفنية المرتبطة باستخدام الشبكة.
وتبرز هنا أسئلة أساسية: أين تُعالج هذه البيانات؟ وأين تُخزن؟ ومن يملك صلاحية الوصول إليها؟ وما الجهات التي يمكن أن تطلبها أو تحصل عليها؟ وما الضمانات القانونية والتقنية التي تمنع استخدامها خارج الغرض الذي جُمعت من أجله؟
ثالثًا: صلاحيات الرقابة على تدفق المعلومات.
في منظومة اتصالات وطنية خاضعة لتنظيم محلي، يفترض أن تكون هناك جهة محددة تملك صلاحيات الإشراف والرقابة وفق القانون، بما يشمل تنظيم الخدمة ومتابعة المخالفات وحماية المستخدمين.
أما عندما تعتمد الخدمة على بنية فضائية تديرها شركة خارجية، فتظهر إشكالية الجهة التي تملك صلاحية الرقابة على حركة المعلومات، ومدى قدرة السلطات الوطنية على الوصول إلى البيانات اللازمة للتحقيق في الجرائم الرقمية أو التعامل مع التهديدات الأمنية، ضمن إجراءات قانونية واضحة.
وهنا لا يتعلق السؤال بمجرد القدرة على مراقبة الإنترنت، بل بمن يمتلك الصلاحيات القانونية والفنية لتنظيم تدفق المعلومات، ومن يستطيع الوصول إلى البيانات، ومن يتحمل المسؤولية عند إساءة استخدامها أو تسريبها.
رابعًا: التحكم في الوصول إلى الخدمة والمعلومات.
تتيح إدارة المنظومة من خارج الحدود للشركة المشغلة دورًا أساسيًا في إدارة الحسابات والاشتراكات وتشغيل الأجهزة وتوفير الخدمة. وهذا يثير تساؤلات حول مدى قدرة الجهات الوطنية على ضمان استمرار الخدمة، والتحقق من هوية المستخدمين وفق القانون، والتعامل مع حالات إساءة الاستخدام، وفرض الالتزامات التنظيمية على المشغّل.
خامسًا: مخاوف الأمن القومي في بيئة نزاع.
في بلد يعيش مواجهة عسكرية وانقسامًا سياسيًا، لا يمكن فصل الاتصالات عن الاعتبارات الأمنية. فالشبكات الرقمية أصبحت جزءًا من البنية التي تعتمد عليها المؤسسات والأفراد في تبادل المعلومات وإدارة الأعمال والتواصل.
لكن وجود هذه المخاوف لا يعني أن كل اتصال عبر ستارلينك يمثل اختراقًا أمنيًا، ولا أن الشركة تستطيع تلقائيًا قراءة جميع محتويات الاتصالات المشفرة. فالوصول إلى المحتوى يعتمد على طبيعة الخدمة والتشفير والتطبيقات المستخدمة، بينما قد تكون بعض بيانات الاتصال الفنية متاحة للمشغّل وفق سياساته والقوانين المطبقة عليه.
سادسًا: من يملك حق الترخيص في بلد منقسم؟
يمثل الترخيص الصادر من جهة واحدة في ظل الانقسام اليمني إشكالية قانونية وسياسية؛ لأن تشغيل مشغّل اتصالات أجنبي في مناطق متعددة يثير سؤال الاختصاص والجهة التي تملك صلاحية تنظيم القطاع.
ومن هذا المنطلق، ترى صنعاء أن منح الترخيص بصورة منفردة لا يحسم مسألة السيادة على قطاع الاتصالات، ولا يمنح المشغّل تلقائيًا حق العمل في المناطق الخاضعة لسلطتها.
سابعًا: البعد الاقتصادي والتنظيمي للسوق.
لا يقتصر الخلاف حول تشغيل ستارلينك على الجوانب السيادية والأمنية، بل يمتد إلى المصالح الاقتصادية والتنظيمية داخل سوق الاتصالات اليمنية. فدخول مشغّل دولي يفرض أسئلة تتعلق برسوم الترخيص، والالتزامات المالية، وآليات تحصيل الإيرادات، وشروط المنافسة مع الشركات المحلية، ومسؤولية المشغّل تجاه السلطات والمستخدمين.
كما يطرح تساؤلات حول الجهة التي تستحق الرسوم والعوائد، والجهة التي تملك حق مراقبة الالتزامات التعاقدية، وكيفية معالجة شكاوى المستخدمين، ومن يتحمل المسؤولية عند انقطاع الخدمة أو الإخلال بشروط الترخيص أو وقوع أضرار ناتجة عن التشغيل.
وفي ظل الانقسام المؤسسي، لا تصبح هذه المسائل مجرد تفاصيل تجارية، بل جزءًا من الصراع على تنظيم قطاع الاتصالات وموارده، وتحديد الجهة التي تملك سلطة الإشراف والمساءلة.
وفي المقابل، فإن الخدمة تقدم ميزة تقنية مهمة للمناطق التي تعاني ضعف الشبكات الأرضية، وتفتح فرصًا للأعمال والتعليم والاتصال في الأماكن النائية. لكن هذه الفوائد التقنية لا تحسم وحدها الخلاف القانوني والسيادي حول شروط تشغيلها، ولا تلغي أسئلة أمن المعلومات والرقابة والوصول إلى البيانات.
وهكذا أصبحت ستارلينك مثالًا واضحًا على أن التكنولوجيا لا تدخل فراغًا؛ بل تدخل سوقًا منقسمًا، ومؤسسات متنازعة، وبيئة أمنية وسياسية شديدة التعقيد.
فالقضية ليست فقط من يستطيع إيصال الإنترنت إلى المواطن، بل من يدير بوابة الاتصال، ومن يحمي بياناته، ومن يملك صلاحية الوصول إليها، ومن يضمن خضوع هذه المنظومة للمساءلة القانونية داخل البلاد.
سابعًا مكررًا: من يرفع البيانات ومن ينزّلها؟ الوجه الآخر لحركة المعلومات
هناك جانب تقني لا يظهر للمستخدم عند الحديث عن سرعة الإنترنت، لكنه يستحق اهتمامًا خاصًا عند مناقشة أمن المعلومات والسيادة الرقمية: الفرق بين سرعة تنزيل البيانات وسرعة رفعها.
فعملية التنزيل (Download) تعني انتقال البيانات من الإنترنت إلى جهاز المستخدم، مثل مشاهدة مقطع فيديو أو تحميل ملف أو فتح موقع إلكتروني.
أما عملية الرفع (Upload) فتعني انتقال البيانات من جهاز المستخدم إلى خادم أو جهة أخرى عبر الإنترنت، مثل إرسال مقطع فيديو أو صور أو ملفات أو نسخ احتياطية إلى منصة أو مركز بيانات خارجي.
ولا تعمل جميع الشبكات بالضرورة وفق النسبة نفسها بين الاتجاهين؛ فبعضها يوفر سعة تنزيل أكبر، وبعضها يقترب من التوازن بين الرفع والتنزيل، وقد توجد شبكات أو باقات تمنح قدرة إرسال مرتفعة مقارنة بسرعة الاستقبال. ويتوقف ذلك على تصميم الشبكة، ونوع الخدمة، والبنية المستخدمة، والباقة، والقيود التي يضعها المشغّل.
وهنا تظهر أهمية السؤال الذي قد يغيب عن المستخدم: كم ميغابتًا تستطيع الشبكة إرسالها إلى الخارج في الثانية؟ وكم تستطيع استقبالها في الاتجاه المعاكس؟
فالسرعة لا تقاس باسم الخدمة أو وصفها التسويقي، بل بقياس فعلي يوضح سرعة الرفع وسرعة التنزيل كلًّا على حدة، وفي الوقت نفسه وتحت ظروف اختبار متقاربة.
ولفهم أثر ذلك بصورة عملية، يمكن النظر إلى ملف فيديو حجمه غيغابايت واحد. فإذا كانت سرعة الرفع 20 ميغابتًا في الثانية، بينما سرعة التنزيل 5 ميغابتات في الثانية، فإن رفع الملف يستغرق نظريًا نحو 6 دقائق و40 ثانية، بينما يستغرق تنزيل الملف بالحجم نفسه نحو 26 دقيقة و40 ثانية، قبل احتساب الفاقد والتذبذب والازدحام وتأخير الشبكة.
وهذا مثال حسابي توضيحي، وليس قياسًا منسوبًا إلى مشغّل يمني محدد. فالأرقام الفعلية لا بد أن ترتبط باسم الشبكة والباقة ومكان الاختبار وتاريخه وخادم القياس المستخدم.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن سعة الرفع تحدد مقدار البيانات التي يمكن إرسالها من أجهزة المستخدمين إلى الخارج خلال فترة زمنية معينة. فإذا كانت قدرة الإرسال مرتفعة، فإن الشبكة تستطيع نقل ملفات وبيانات أكبر خلال وقت أقصر، بصرف النظر عن كون سرعة التنزيل لدى المستخدم محدودة.
ومن هنا لا ينبغي قياس قدرات الشبكة من خلال مشاهدة الفيديو أو تحميل الملفات فقط؛ بل يجب النظر أيضًا إلى اتجاه البيانات الصادرة، والجهات التي تستقبلها، والخوادم التي تمر بها، ومكان معالجة المعلومات وتخزينها.
وهذا يفتح أسئلة تتعلق بأمن المعلومات: هل يعرف المستخدم إلى أين تتجه بياناته؟ وما الجهات التي تدير البنية التي تنقلها؟ وما الضمانات التي تحمي البيانات المرسلة من أجهزته؟ وهل توجد قواعد واضحة تحدد مسؤولية المشغّل عن البيانات التي تمر عبر شبكته؟
كما يطرح الموضوع جانبًا تنظيميًا يتعلق بالإجراءات التي اتخذتها صنعاء تجاه بعض الشبكات وأجهزة الإنترنت؛ إذ إن تقييم أي منظومة اتصال لا يقتصر على سرعة الخدمة أو قدرتها على توفير الإنترنت، بل يشمل أيضًا خصائص حركة البيانات، وقدرات الإرسال، وطبيعة الإدارة الفنية، والضمانات القانونية والأمنية المحيطة بها.
ولا يعني ارتفاع سرعة الرفع وحده وجود تجسس أو نقل غير مشروع للبيانات؛ فهذه نتيجة لا يمكن إثباتها بمجرد قياس السرعة. لكن فهم سعة الإرسال ومسار البيانات والجهات التي تديرها يمثل جزءًا أساسيًا من تقييم المخاطر الرقمية، خصوصًا في بيئة تعاني انقسامًا مؤسسيًا وتضاربًا في الصلاحيات.
والسؤال الأهم هنا ليس فقط: كم يستغرق تنزيل الفيديو؟ بل أيضًا: كم يستغرق رفعه؟ وإلى أين يذهب بعد إرساله؟ ومن يملك البنية التي تنقله؟ ومن يستطيع الوصول إلى البيانات المصاحبة لهذا الاتصال؟
ثامنًا: البيانات.. النفط الجديد الذي لا يُرى
في الاقتصاد الرقمي، لم تعد الثروة محصورة في النفط والغاز والمعادن. أصبحت البيانات موردًا استراتيجيًا تتنافس الدول والشركات على جمعه وتحليله والاستفادة منه.
فبيانات المستخدمين والمؤسسات والمعاملات التجارية والاتصالات والخدمات المصرفية تشكل جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي الحديث.
وكلما توسع استخدام الخدمات الرقمية، ازدادت أهمية معرفة أين تُخزن البيانات، وكيف تُعالج، ومن يملك صلاحية الوصول إليها، وما الضمانات التي تحميها من التسريب أو الاستغلال.
وفي اليمن، لا تزال الحاجة كبيرة إلى إطار قانوني ومؤسسي واضح لحماية البيانات الشخصية، وتنظيم مشاركة المعلومات، وتحديد مسؤوليات مزودي الخدمة، ووضع معايير للأمن السيبراني.
ولا تقتصر هذه المسألة على ستارلينك أو شركة أجنبية بعينها؛ فهي تشمل جميع مشغلي الاتصالات ومزودي الإنترنت والمؤسسات التي تجمع بيانات المواطنين.
فالسيادة الرقمية لا تعني فقط امتلاك الكابلات والأجهزة، بل تعني امتلاك القدرة القانونية والتقنية على حماية المعلومات التي تمر عبرها.
تاسعًا: التعدين الخفي والقرصنة العابرة للحدود.. كيف تتحول موارد الإنترنت اليمنية إلى أموال في محافظ خارجية؟
ليست السيطرة على الإنترنت محصورة في امتلاك الكابلات البحرية أو إدارة البوابات الدولية أو التحكم في سرعة الاتصال. فهناك مستوى آخر أكثر خفاءً، يتعلق باستغلال الأجهزة والخوادم والحسابات المتصلة بالشبكة، وتحويل قدراتها الحاسوبية إلى مصدر أرباح رقمية لا يعلم أصحابها كيف تُنتج ولا إلى أين تذهب.
في هذا المستوى، لا يكون المستخدم مجرد مستهلك لخدمة الإنترنت؛ فقد يتحول جهازه أو خادمه، إذا كان ضعيف الحماية أو مخترقًا، إلى أداة تعمل لصالح جهة أخرى، وتُستخدم موارده في التعدين المشفر وجمع العوائد الرقمية.
أولًا: الحساب غير المحمي.. بوابة لاستغلال الموارد
عندما يظل حساب أو خادم أو جهاز متصل بالشبكة دون حماية كافية، يصبح أكثر عرضة للاختراق والاستغلال. وقد لا يتوقف الأمر عند سرقة المعلومات أو السيطرة على الحساب، بل يمتد إلى تثبيت برامج تعمل في الخلفية وتستخدم قدرة المعالجة لتنفيذ عمليات تعدين العملات المشفرة.
وتُعرف هذه الممارسة باسم التعدين الخفي (Cryptojacking)، حيث يستغل المهاجم معالج الجهاز وموارده دون موافقة صاحبه، ويشغّل عمليات حسابية تنتج عنها مكافآت رقمية.
والخطورة هنا أن المستخدم قد لا يرى عملية التعدين أصلًا؛ فلا تظهر له محفظة، ولا تصله مكافآت، ولا يعرف أن جهازه يشارك في إنتاج عملة مشفرة. بينما يكون برنامج التعدين مضبوطًا على إرسال العوائد إلى محفظة يحددها مشغّل العملية.
وبذلك يمكن أن تتحول آلاف الأجهزة المتفرقة إلى موارد حاسوبية تخدم جهة واحدة أو مجموعة جهات، وتنتج عوائد تتراكم في محافظ رقمية خارج سيطرة أصحاب الأجهزة.
ثانيًا: اليمن.. التعدين الخفي لم يكن مجرد احتمال
في عام 2018، كشفت شركة Recorded Future في دراسة بعنوان:
Underlying Dimensions of Yemen’s Civil War: Control of the Internet
عن رصد 973 جهاز توجيه إلكترونيًا من نوع MikroTik ضمن نطاق شبكة يمن نت، كانت مرتبطة بتشغيل خدمة Coinhive لتعدين عملة مونيرو.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الأجهزة كانت تستخدم قدرة المعالجة لتنفيذ عمليات التعدين، وأن نحو 427 جهازًا ارتبطت بحملات استغلال إلكتروني سبق رصدها، فيما بقيت بقية الأجهزة دون رابط محسوم بتلك الحملات.
كما لفتت الدراسة إلى تكرار مفاتيح تشغيل خاصة بحسابات Coinhive عبر أجهزة متعددة، بما يشير إلى أن عددًا محدودًا من الحسابات كان يتحكم في نسبة كبيرة من الأجهزة المرصودة.
وذهبت الدراسة إلى تقييم بوجود نشاط تعدين يستغل البنية الرقمية لشبكة يمن نت، وطرحت احتمالات متعددة بشأن الجهات والأهداف، من بينها تحقيق عوائد مالية أو إضعاف موارد الشبكة.
هذه ليست فرضية نظرية عن إمكانية اختراق الإنترنت اليمني؛ إنها واقعة رصد تقني منشورة، كشفت أن أجهزة مرتبطة بالبنية المحلية استُخدمت في عمليات تعدين مشفر دون أن تكون هذه الأجهزة بالضرورة مخصصة لهذا الغرض.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل انتهى هذا النشاط بانتهاء خدمة Coinhive، أم انتقلت أساليب الاستغلال إلى أدوات ومنصات تعدين أخرى؟ وهل جرى فحص الخوادم وأجهزة التوجيه والشبكات اليمنية بعد تلك الواقعة لمعرفة ما إذا كانت أنشطة مشابهة قد استمرت؟
ثالثًا: من الجهاز المخترق إلى المحفظة الرقمية
تعمل عملية التعدين الخفي ضمن سلسلة مترابطة:
الجهاز أو الخادم المخترق يوفر القدرة الحاسوبية، وبرنامج التعدين ينفذ العمليات الحسابية، ومجمع التعدين يستقبل نتائج العمل، ثم تُرسل المكافآت إلى عنوان محفظة رقمية يحدده مشغّل العملية.
وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: ليس مطلوبًا من صاحب الجهاز أن يمتلك محفظة عملات مشفرة حتى يجري استغلال جهازه. فالمحفظة التي تستقبل العوائد قد تكون مملوكة للمخترق أو للجهة التي تدير شبكة التعدين.
وبالتالي، قد يستخدم صاحب الجهاز الإنترنت ويدفع تكلفته، بينما تُستغل موارده في إنتاج عوائد رقمية تذهب إلى محفظة لا يعرف صاحب الجهاز عنها شيئًا.
وتزداد خطورة المسألة عندما تتوزع الأجهزة المستغلة على شبكات ومناطق مختلفة، بينما تتجمع عوائدها في محافظ محددة، الأمر الذي يسمح بتحويل نشاط رقمي متفرق إلى مصدر دخل مركزي.
رابعًا: قطر ومسار الاستفادة من التعدين والقرصنة
تفتح المعلومات المرتبطة بهذا الملف مسارًا يتجاوز حدود الاختراق الفردي، نحو البحث في شبكات القرصنة العابرة للحدود، والجهات التي تمتلك القدرة على إدارة عمليات واسعة، والاستفادة من الموارد الرقمية التي يجري الاستيلاء عليها.
وتضع المعلومات التي يتناولها هذا المسار قطر في دائرة البحث عن الجهة المستفيدة من بعض عمليات التعدين والاختراق، وتطرح فرضية انتقال عوائد عمليات التعدين المرتبطة بحسابات وأجهزة غير مؤمنة إلى محافظ وجهات خارجية مرتبطة بمسارات تشغيل واستفادة في قطر.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية أكبر عند وضعها في سياق التقارير التي تناولت نشاطًا استخباراتيًا إلكترونيًا منسوبًا إلى جهات قطرية، ومنها تحقيق Swissinfo الاستقصائي المنشور في نوفمبر 2022 حول عملية تجسس واسعة استهدفت مسؤولين وشخصيات في عالم كرة القدم، وتحدث عن الاستعانة بعناصر وخبرات استخباراتية سابقة، واستخدام أدوات اختراق للحصول على معلومات من حسابات وأجهزة مستهدفة.
كما أن امتلاك قطر مؤسسات وقدرات وطنية في مجال الأمن السيبراني يطرح سؤالًا عن طبيعة العلاقة بين القدرات التقنية، والأنشطة الاستخباراتية، وشبكات التشغيل والاستفادة الرقمية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، لا ينحصر التحقيق في معرفة مكان وجود الخادم أو الدولة التي يمر عبرها الاتصال، بل يتجه إلى تتبع الجهة التي تدير عمليات التعدين، والمحافظ التي تستقبل العوائد، والمسارات التي تنتقل عبرها الأموال الرقمية بعد إنتاجها.
وتذهب المعلومات التي يقوم عليها هذا المسار إلى أن عوائد التعدين الناتجة عن استغلال حسابات وأجهزة غير مؤمنة يمكن أن تنتقل مباشرة إلى محافظ تابعة للجهات المستفيدة، من دون أن يحتاج المستخدم إلى امتلاك محفظة أو معرفة أن جهازه شارك في عملية التعدين.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل تحولت بعض موارد الإنترنت اليمنية إلى قدرة حاسوبية مجانية تُستغل في عمليات تنتج أرباحًا رقمية خارج البلاد؟ ومن يدير هذه العمليات؟ ومن يستقبل عوائدها؟ وما المسارات المالية التي تنقل تلك العوائد إلى المستفيد النهائي؟
خامسًا: الصرافة.. الحلقة التي تستحق التحقيق المالي
لا تنتهي حركة العملات المشفرة عند استقبال المكافآت في المحافظ الرقمية؛ إذ يمكن تداول هذه الأصول أو تحويلها إلى عملات تقليدية عبر منصات ومقدمي خدمات ووسطاء ماليين.
وهنا تظهر أهمية تتبع الصلة المحتملة بين المحافظ الرقمية وبعض قنوات الصرافة والتحويلات المالية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في اليمن، حيث تعمل شبكات مالية وتجارية متعددة، وتوجد حاجة إلى معرفة مصادر الأموال الكبيرة التي تتحرك خارج المسارات المصرفية التقليدية، وكيفية دخولها إلى السوق المحلية أو خروجها منها.
وتشير المعلومات المتداولة في هذا المسار إلى احتمال وجود مستفيدين محليين من أنشطة القرصنة والتعدين، وإلى استخدام بعض العاملين في المجال المالي والصيرفي كقنوات يمكن أن تمر عبرها الأموال أو تُخفى من خلالها مصادرها.
وهذا يفتح ملفًا اقتصاديًا وأمنيًا لا يقل أهمية عن ملف الكابلات والبوابات الدولية: هل توجد محافظ تستقبل عوائد التعدين المرتبطة بأجهزة يمنية؟ وهل تتحول هذه العوائد لاحقًا إلى أموال نقدية؟ وما الجهات والوسطاء الذين يتعاملون معها؟ وهل توجد أنماط مالية لا تتناسب مع النشاط التجاري المعلن لبعض الحسابات؟
إن تتبع هذه المسارات يمكن أن يكشف شبكة المصالح التي تقف خلف استغلال الموارد الرقمية، ويحدد أين تنتهي العوائد التي بدأت من جهاز أو خادم داخل اليمن.
سادسًا: التعدين الخفي.. اقتصاد موازٍ فوق بنية الإنترنت
تتجاوز خطورة التعدين الخفي مسألة اختراق جهاز واحد. فعندما تُستغل أعداد كبيرة من الأجهزة والخوادم، تتحول القدرة الحاسوبية الموزعة إلى مورد اقتصادي يمكن تشغيله لتحقيق أرباح رقمية.
وكل جهاز مخترق يضيف قدرة معالجة، وكل قدرة معالجة يمكن أن تسهم في تنفيذ عمليات التعدين، وكل عائد يُرسل إلى محفظة رقمية يضيف حلقة جديدة إلى اقتصاد لا يرى المستخدم أثره إلا في صورة استهلاك غير مبرر للكهرباء، أو بطء الجهاز، أو ارتفاع حرارته، أو تراجع أدائه.
ومن هنا تتضح العلاقة بين أمن الإنترنت والسيادة الاقتصادية: فالدولة التي لا تستطيع حماية خوادمها وأجهزة شبكاتها وبيانات مستخدميها، قد تجد مواردها الرقمية مستغلة لصالح أطراف أخرى، بينما يتحمل المواطن والمؤسسات المحلية تكلفة التشغيل دون الحصول على أي عائد.
الخلاصة: من يستهلك موارد اليمن الرقمية ومن يجني الأرباح؟
تكشف واقعة التعدين التي رُصدت داخل نطاق شبكة يمن نت عام 2018 أن استغلال الأجهزة اليمنية في إنتاج العملات المشفرة حدث بالفعل، وأن البنية الرقمية يمكن أن تتحول إلى مصدر عوائد مالية لجهات تتحكم في برامج التعدين ومحافظ استقبال المكافآت.
وتفتح المعلومات المتعلقة بمسارات الاستفادة الخارجية، وقطر، وشبكات القرصنة، وبعض قنوات الصرافة، ملفًا أوسع يتطلب النظر إلى الإنترنت باعتباره موردًا اقتصاديًا وأمنيًا، لا مجرد وسيلة اتصال.
فالمعركة هنا لا تتعلق فقط بمن يبيع الإنترنت للمواطن، بل بمن يستطيع اختراق الأجهزة، واستغلال قدرتها الحاسوبية، وتوجيه العوائد الرقمية، ثم تحويلها إلى أموال خارج نطاق معرفة أصحاب الموارد التي أنتجتها.
إن السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا أمام الجهات الفنية والمالية هو: كم من مواردنا الرقمية استُخدم دون علم أصحابها؟ وكم من عائدات التعدين خرجت من هذه العمليات؟ وأين استقرت المحافظ التي استقبلتها؟ ومن يقف خلف شبكة المصالح التي تستفيد من هذا الاقتصاد الخفي؟
عاشرًا: الإنترنت والاقتصاد.. فاتورة يدفعها المواطن
ضعف الإنترنت ليس مشكلة ترفيهية أو تقنية محدودة، بل له أثر مباشر على الاقتصاد والحياة اليومية.
فالتاجر الذي يعتمد على التحويلات الإلكترونية يحتاج إلى اتصال مستقر، والطالب يحتاج إلى الوصول إلى المصادر التعليمية، والصحفي يحتاج إلى نقل المعلومات، والمستشفى يحتاج إلى أنظمة اتصال موثوقة، والشركات تحتاج إلى التواصل مع الأسواق والموردين.
كما أن أي انقطاع أو ارتفاع في تكلفة الاتصال ينعكس على كلفة الإنتاج والخدمات، ويضعف قدرة المؤسسات الصغيرة على المنافسة.
ويزداد أثر ذلك في بلد يعتمد كثير من أبنائه على التحويلات المالية من الخارج، وعلى التواصل المستمر مع أفراد أسرهم ومؤسساتهم في دول أخرى.
ومن هنا، فإن تحسين الإنترنت ليس مجرد مطلب للمستخدمين، بل شرط من شروط التعافي الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات وتوسيع فرص العمل.
الحادي عشر: لماذا لا يتحول الموقع الجغرافي إلى قوة رقمية؟
يمتلك اليمن موقعًا استراتيجيًا على خطوط الملاحة والاتصالات الدولية، لكنه لم يستطع تحويل هذه الميزة إلى منظومة رقمية متكاملة.
والسبب لا يتعلق بالجغرافيا وحدها، بل بمجموعة من العوامل:
– الانقسام السياسي والمؤسسي وتعدد مراكز القرار.
– ضعف الاستثمارات في الألياف الضوئية ومراكز البيانات.
– محدودية المسارات الدولية البديلة.
– تعقيدات التراخيص والاتفاقات العابرة للحدود.
– تضرر البنية التحتية وتأخر أعمال الصيانة.
– ضعف الإطار القانوني لحماية البيانات وتنظيم المنافسة.
– غياب استراتيجية وطنية موحدة للاتصالات والتحول الرقمي.
فالدول التي تستثمر في موقعها الجغرافي لا تكتفي بمرور الكابلات عبر مياهها، بل تعمل على بناء محطات إنزال ومراكز بيانات وشبكات ربط إقليمية، وتوفر بيئة قانونية وتشغيلية تجذب الشركات والاستثمارات.
أما اليمن، فما زال يواجه تحديًا أكثر أساسية: كيف يحافظ على ما لديه من بنية اتصال، ويعيد تشغيل ما تعطل، ويوحد إدارة ما انقسم؟
الثاني عشر: كيف يمكن استعادة السيادة الرقمية؟
استعادة السيادة الرقمية لا تتحقق بإغلاق الإنترنت أمام المستخدمين، ولا بمجرد إدخال شركات أجنبية إلى السوق، بل تحتاج إلى سياسة وطنية متكاملة توازن بين حماية الأمن وتوفير الخدمة وفتح المجال للمنافسة.
ومن أهم المسارات المطلوبة:
أولًا: حماية البنية التحتية الدولية. عبر صيانة الكابلات البحرية ومحطات الإنزال، وتطوير المسارات البديلة، ووضع خطط استجابة للأعطال والانقطاعات.
ثانيًا: معالجة الانقسام المؤسسي. لأن استمرار تعدد مراكز القرار في قطاع الاتصالات يضعف قدرة البلاد على التفاوض مع الشركات الدولية ويزيد تكلفة التشغيل.
ثالثًا: تنظيم دخول الشركات الأجنبية. من خلال تراخيص واضحة تحدد نطاق الخدمة والالتزامات المالية والفنية والقانونية، وتضمن خضوع المشغلين للقواعد الوطنية.
رابعًا: حماية بيانات المواطنين. عبر تشريعات للخصوصية، ومعايير للأمن السيبراني، وآليات مستقلة للمساءلة والتدقيق.
خامسًا: تطوير الشبكات الوطنية. حتى لا يبقى المستخدم رهينة بنية محدودة أو شركة واحدة أو مسار اتصال معرض للانقطاع.
سادسًا: ضمان المنافسة وجودة الخدمة. لأن حماية السيادة الرقمية لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء للاحتكار أو استمرار ضعف الخدمة وارتفاع تكلفتها.
الخاتمة: من يملك الاتصال يملك جزءًا من القرار
اليمن لا يواجه أزمة إنترنت فحسب، بل يواجه أزمة سيادة رقمية تتداخل فيها الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والأمن.
فالكابلات البحرية التي تمر قرب سواحله، والبوابات الدولية التي تربط شبكاته بالعالم، والشركات التي تدير الاتصالات، والبيانات التي تنتقل عبرها، كلها عناصر في معادلة نفوذ لا تقل أهمية عن الموارد التقليدية.
وتكشف قصة تيليمن ويمن نت وعدن نت وستارلينك أن الانقسام لم يعد محصورًا في المؤسسات السياسية والعسكرية، بل امتد إلى البنية التي تربط اليمن بالعالم.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لبناء مراكز البيانات وتطوير شبكات الجيل الجديد وتأمين مسارات الاتصال، لا يزال اليمن يناقش من يملك حق تشغيل بوابة الإنترنت، ومن يمنح الترخيص، ومن يراقب البيانات، ومن يتحمل مسؤولية انقطاع الخدمة.
إن السيادة الرقمية لا تعني أن تكون الدولة قادرة على منع الاتصال فقط، بل أن تكون قادرة على ضمانه وحمايته وتنظيمه وتطويره، وأن يمتلك المواطن حق الوصول إلى خدمة مستقرة وآمنة وبسعر معقول.
فمن يملك مفاتيح الاتصال بالعالم لا يملك مجرد شبكة إنترنت، بل يمتلك نفوذًا على التجارة والمعلومة والاقتصاد، وعلى جانب مهم من قدرة الدولة على إدارة مستقبلها.