مرحبًا بولي عهد السعودية في القاهرة.. لماذا الآن؟

زيارة محمد بن سلمان لمصر ليست زيارة بروتوكولية.. إنها عودة السياسة إلى قلب العلاقة المصرية السعودية
بقلم: علي خليل
زيارة تحمل 4 رسائل … من المجاملة إلى المصالح
مرحبًا بولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان في القاهرة.
مرحبًا بضيف كبير يأتي إلى مصر في لحظة عربية شديدة التعقيد، وفي توقيت لا يمكن فصل الزيارة فيه عن التحولات المتسارعة التي تضرب المنطقة من البحر الأحمر إلى باب المندب، ومن مضيق هرمز إلى اليمن، ومن أمن الخليج إلى مستقبل الاقتصاد والطاقة والتجارة الدولية.
هذه ليست زيارة عادية، ولذلك فإن قراءتها باعتبارها مجرد لقاء بين قيادتين عربيتين ستكون قراءة ناقصة.
فزيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة تأتي بينما تواجه المملكة ضغوطًا أمنية متصاعدة من هجمات الحوثيين، وفي الوقت نفسه تتعرض طرق الملاحة والطاقة في المنطقة لاختبارات خطيرة. وقد أصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، لأنها تمس حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة واستقرار الاقتصاد الدولي.
ومن هنا تبدو القاهرة محطة طبيعية في هذه اللحظة.
لماذا الآن؟
لأن المنطقة لم تعد تسمح للدول العربية الكبرى بأن تتعامل مع ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد كل ملف منفصلًا.
السعودية تتحرك في بيئة إقليمية شديدة الضغط، ومصر تملك موقعًا استراتيجيًا يجعلها طرفًا رئيسيًا في معادلة البحر الأحمر وقناة السويس وأمن الملاحة، فضلًا عن ثقلها السياسي والعسكري والدبلوماسي.
ولذلك فإن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة يمكن أن تُقرأ باعتبارها محاولة لتعزيز التنسيق بين دولتين تمثلان ثقلًا رئيسيًا في النظام العربي، في وقت أصبحت فيه خرائط النفوذ في المنطقة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
وقد جاء اللقاء بالفعل ليؤكد أهمية حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، إلى جانب بحث تطورات اليمن وقضايا الأمن والاستقرار الإقليمي.
وهل كانت هناك حالة برود؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
العلاقات المصرية السعودية لم تصل إلى قطيعة، ولم تتوقف قنوات الاتصال بين البلدين، ولذلك لا يصح تصوير المرحلة السابقة باعتبارها خصومة مصرية سعودية.
لكن العلاقات بين الدول ليست دائمًا في درجة حرارة واحدة.
قد تمر بفترات من الهدوء، أو اختلاف الأولويات، أو تباين الحسابات حول بعض الملفات، خصوصًا عندما تكون كل دولة أمام مجموعة مختلفة من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية.
وهذا هو المعنى الأدق لما يمكن أن نسميه “البرود النسبي”، وليس القطيعة.
فالرياض تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، ومصر كذلك تواجه حسابات اقتصادية وإقليمية معقدة، والعالم العربي كله يعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة.
لكن الأزمات الكبرى تعيد أحيانًا اكتشاف قيمة العلاقات التي ظن البعض أنها أصبحت مستقرة إلى درجة يمكن معها تركها تسير وحدها.
وهنا تأتي أهمية زيارة ولي العهد.
مصر والسعودية.. من المجاملة إلى المصالح
العلاقة المصرية السعودية أكبر من أن تختصر في الاستثمارات أو المساعدات أو الزيارات الرسمية.
هناك جغرافيا سياسية تجمع البلدين، وهناك البحر الأحمر، وهناك أمن الخليج، وهناك اليمن، وهناك السودان، وهناك فلسطين، وهناك أمن الملاحة والطاقة والتجارة، وهناك ملايين المواطنين والمصالح الاقتصادية المتبادلة.
لكن المرحلة الجديدة تحتاج إلى شيء أكبر من إدارة الملفات القديمة.
تحتاج إلى شراكة استراتيجية حقيقية.
شراكة لا تقوم فقط على أن تساعد دولة دولة أخرى في لحظة أزمة، وإنما على أن يبني البلدان مصالح مشتركة تجعل استقرارهما الاقتصادي والأمني والسياسي جزءًا من استقرار المنطقة كلها.
ومن هنا يمكن أن تكون الزيارة فرصة لإعادة تعريف العلاقة.
ليس المطلوب أن تعود القاهرة والرياض إلى صيغة الماضي، وإنما أن تنتقلا إلى صيغة المستقبل.
السعودية اليوم لديها مشروع تحول اقتصادي ضخم ورؤية مختلفة لموقعها في العالم، ومصر تمتلك موقعًا جغرافيًا وبشريًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله.
ولو التقت الإمكانات السعودية مع الموقع المصري والقدرات البشرية المصرية، فإن مساحة التعاون يمكن أن تكون أكبر بكثير من حجم التعاون التقليدي.
الأمن أولًا.. ولكن الاقتصاد لا يغيب
المشهد الأمني هو الذي يفرض نفسه الآن.
السعودية تواجه تهديدات متصاعدة من الحوثيين، كما أن اضطراب طرق الطاقة والملاحة يرفع تكلفة المخاطر على المنطقة والعالم. وفي المقابل، فإن مصر معنية بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس وحركة التجارة الدولية.
ولهذا فإن القاهرة والرياض تملكان مصلحة مشتركة في ألا يتحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوحة.
لكن الأمن وحده لا يكفي.
فالاقتصاد أصبح جزءًا من الأمن القومي.
أمن الطاقة أمن قومي، وأمن الغذاء أمن قومي، وأمن الملاحة أمن قومي، والاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والتجارة أصبحت جميعها أدوات للقوة السياسية.
ومن هنا يجب أن تخرج الزيارة من مجرد توقيع اتفاقيات إلى بناء منظومة اقتصادية أكثر عمقًا: استثمارات مشتركة، صناعة، تكنولوجيا، سياحة، نقل، موانئ، لوجستيات، أمن غذائي، وطاقة، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص في البلدين.
لماذا مصر؟
لأن مصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة تستقبل ضيفًا عربيًا كبيرًا.
مصر هي الدولة التي تقف عند واحدة من أهم نقاط اتصال العالم العربي بالعالم، وتتحكم في قناة السويس، وتمتلك حدودًا ومصالح مباشرة في البحر الأحمر، ولها تأثير تاريخي وسياسي في ملفات السودان وفلسطين وليبيا واليمن والمنطقة كلها.
ولهذا فإن أي إعادة ترتيب للأمن العربي لا يمكن أن تتجاهل القاهرة.
وفي المقابل، فإن السعودية ليست مجرد دولة خليجية.
إنها القوة الاقتصادية العربية الأكبر تقريبًا، وصاحبة ثقل ديني وسياسي واقتصادي عالمي، ومركز مهم للاستثمار والطاقة، وتتحرك اليوم نحو إعادة صياغة اقتصادها ومكانتها الدولية.
وعندما تلتقي القاهرة والرياض في هذه اللحظة، فإن الرسالة تتجاوز حدود البلدين.
زيارة تحمل رسالة
الرسالة الأولى أن مصر والسعودية تدركان أن الخلافات التكتيكية، مهما كانت، لا ينبغي أن تتحول إلى خلاف استراتيجي.
والرسالة الثانية أن أمن الخليج والبحر الأحمر ليسا ملفين منفصلين.
والرسالة الثالثة أن العالم العربي يحتاج إلى مراكز ثقل قادرة على إنتاج التوازن، وليس فقط استقبال تداعيات الأزمات.
والرسالة الرابعة أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل العلاقات العربية من علاقات رد فعل إلى علاقات صناعة قرار.
وهذه هي النقطة الأهم.
فالعالم لا ينتظر أحدًا.
ومن يمتلك الرؤية والقدرة على التحرك في الوقت المناسب، يصنع موقعه في النظام الدولي، ومن يتأخر عن اللحظة يجد نفسه يدفع ثمن قرارات لم يتخذها الآخرون نيابة عنه.
القاهرة والرياض.. فرصة جديدة
لذلك، فإن الترحيب بمحمد بن سلمان في القاهرة ليس مجرد ترحيب بضيف عربي عزيز.
إنه ترحيب بفرصة جديدة.
فرصة لأن تعود العلاقة المصرية السعودية إلى مساحة أكثر دفئًا ووضوحًا وعمقًا.
وفرصة لأن تتحول المصالح المتبادلة إلى مشروعات حقيقية.
وفرصة لأن يصبح التنسيق السياسي والأمني أكثر انتظامًا.
وفرصة لأن تفكر القاهرة والرياض في المنطقة ليس فقط من خلال أزماتها الحالية، وإنما من خلال شكل المنطقة الذي يجب أن تكون عليه بعد عشر سنوات.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المنطقة لا تملك رفاهية الانتظار.
وإذا كان الأمن هو عنوان اللحظة، فإن المستقبل يجب أن يكون عنوان الشراكة.
أهلًا بمحمد بن سلمان في القاهرة.
أهلًا بضيف السعودية الكبير.
والأهم: أهلًا بمرحلة جديدة من العلاقات المصرية السعودية، إذا نجحت القيادتان في تحويل حرارة اللقاء إلى استراتيجية مستمرة، وتحويل التفاهم السياسي إلى مصالح اقتصادية، وتحويل المخاوف الأمنية إلى منظومة تعاون عربي قادرة على حماية المنطقة وصناعة مستقبلها.
فالقاهرة والرياض لا تحتاجان إلى استعادة الماضي فقط.
إنهما بحاجة إلى صناعة المستقبل.