على خليل : عندما تبيع الأمة عقولها وتشتري تفاهتها

(عرب تليجراف : تعليقا على ما تداولته مواقع الأخبار الصينية)
قرار تاريخي غير مسبوق.. الصين تزيل صور الفنانين والمشاهير وتستبدلها بصور علمائها الكبار
عندما تبيع الأمة عقولها وتشتري تفاهتها
بقلم: علي خليل
كنت أشاهد صورا على منصات التواصل الاجتماعى قادمة من الصين. شاشات عملاقة في بكين وشنغهاي كانت حتى الأمس تحمل وجوه ممثلين ومغنيات وعارضي أزياء، أصبحت اليوم تحمل وجه طبيب اكتشف لقاحا، ومهندس أطلق قمرا، وعالمة زراعة أطعمت مليارا.
قرار بسيط في ظاهره، زلزال في معناه. الصين قالت لشعبها: هذا هو النموذج.
وهنا.. في كل بيت مصري، اسأل نفسك: من هو النموذج الذي يدخل بيتك كل يوم دون استئذان؟
المسخ الذي دخل كل بيت
لا أقصد الفنان الحقيقي ولا المبدع الصادق. أقصد ذلك الكائن الهجين الذي صنعته خوارزميات التيك توك وبرامج المقالب وقنوات الردح. مسخ لا هو برجل ولا امرأة، لا هو بعالم ولا جاهل، لا هو بمضحك ولا جاد. وظيفته الوحيدة أن يتعرى، أن يصرخ، أن يشتم، أن يتشبه بالنساء ليضحك الناس عليه، ثم يسمى “تريند”.
هذا المسخ دخل كل بيت. يجلس مع أبنائنا على مائدة العشاء عبر الموبايل. تعرفه بنتي وابني أكثر مما يعرفون أحمد زويل ومجدي يعقوب ونوال الدجوي وسميرة موسى.
والكارثة الأكبر: أصبح هو النموذج الذي يجب أن يحتذى به. الشاب اليوم لا يريد أن يكون مهندسا أو طبيبا، يريد أن يكون “بلوجر” يفتح بثا مباشرا ويجمع “أسود” و”حيتان”. الفتاة لا تريد أن تكون عالمة كيمياء، تريد أن تكون “فاشونستا” تبيع جسدها قطعة قطعة مقابل مشاهدات.

ماذا فعلت الأمم التي نهضت؟
الصين لم تنهض لأنها منعت فقط. الصين نهضت لأنها استبدلت. منعت تمجيد الفضائح والاستهلاك الاستعراضي والذوق المتدني – بنص قراراتها الرسمية – ثم وضعت البديل في نفس الشاشة. قالت للطفل: انظر، هذا هو البطل. ليس من يرقص، بل من اخترع الدواء.
اليابان تفعل نفس الشيء. في قطارات طوكيو تجد سيرة مخترع القطار الطلقة، لا سيرة مغني. في كوريا، أبطال المناهج هم علماء سامسونج، لا أبطال الدراما.
أما نحن، فماذا نفعل؟ نكرم المسخ في مهرجانات، ونعطيه درعا، ونستضيفه في برامج توك شو ليعلمنا كيف نصبح تافهين مثله.
وهنا في مصر، لسنا فقراء في القدوة. عندنا أحمد زويل الذي فك شفرة الفيمتو ثانية، ومجدي يعقوب الذي زرع قلوبا في صدور البشر، وفاروق الباز الذي أوصل الأمريكان للقمر، وعندنا آلاف العلماء في الداخل والخارج يصطفون في طوابير الهجرة لأنهم لا يجدون لوحة إعلانية واحدة، بينما يجد نجوم الفهلوة والتعري عشرات الشاشات ومئات الملايين.
ما فعلته الصين ليس تجميلا للشوارع، بل هو إعادة هندسة للوعي. عندما تضع صورة عالم على كوبري أكتوبر بدلا من صورة ممثلة تروج لمسحوق غسيل بجسدها، فأنت تغير سؤال الطفل من “كيف أكون مشهورا؟” إلى “كيف أكون مفيدا؟”
الصين اليوم تعطي درسا مجانيا للعالم كله: إذا أردت أن تتقدم، ضع العالم في الشارع، لا المهرج في القصر.
والسؤال الآن لنا نحن في القاهرة..
هل نجرؤ أن نفعل مثلهم؟
هل نجرؤ أن نستبدل وجوه الإسفاف بوجوه العلم في مترو القاهرة، ولوحات صلاح سالم، وكورنيش النيل؟
هل نجرؤ أن نقول لابننا في المنوفية وأسوان: هذا هو بطلك، هذا هو من يجب أن تحتذي به، لا ذاك الذي يتشبه بالنساء ليجمع لايكات؟
الصين أرسلت الرسالة.. والرسالة وصلت.
العلم أولا.. والباقي تفاهات.
العلم أجدى من الباذنجان
أقولها بصراحة التي اعتدتموها مني: العلم أجدى من الباذنجان، ومن برامج التطبيخ التي تحولت لدعارة مستترة، ومن برامج المقالب التي تعلم أبناءنا الكذب.
مصر فيها 100 مليون عقل. فيها طفل في المنوفية يمكن أن يكون زويل القادم، لكنه لن يراه أحد لأن الكاميرا مشغولة بتصوير راقصة تفتتح محل كشري.
هل تعلم أن الصين تنفق 2.5 مليون دولار شهريا على لوحة إعلانية واحدة فقط في مانهاتن لتضع عليها شعار وكالة أنبائها؟ نحن لا نطلب 2.5 مليون. نطلب لوحة واحدة في مترو الشهداء تضع صورة الدكتور محمد غنيم بدلا من إعلان عن مسحوق غسيل ترتديه عارية.
الحل ليس مستحيلا
1- في البيت: أنت القدوة الأولى. احك لابنك عن عالم قبل أن تحكي له عن لاعب كرة.
2- في المدرسة: أعيدوا حصة “العظماء”. علموا أولادنا أن فاروق الباز مصري وضع قدمه على القمر عبر خرائطه.
3- في الإعلام: امنحوا 10% فقط من وقت برامج التريند لعالم شاب. والله سيشاهدكم الناس أكثر.
4- في الدولة: كما فعلت الصين، خصصوا لوحات الطرق السريعة لصور علماء مصر. اجعلوا الطفل في الأتوبيس يسأل: من هذا؟ بدلا من أن يسأل: ما هذا العري؟
الصين اليوم لا تحتفل بممثل، بل بمن صنع لقاح كورونا ومحطة الفضاء. ونحن ما زلنا نحتفل بمن صنع فيديو “بص العصفورة”.
الأمم تختار قدواتها فتختار مستقبلها. فاختاروا.