إلى الذين ينتظرون سقوط إيران

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

كلما تعرضت إيران لضربة عسكرية، أو اندلعت فيها احتجاجات، أو تفاقمت أزمتها الاقتصادية، أو تراجع نفوذها الإقليمي، يتكرر الاستنتاج نفسه: النظام يقترب من نهايته، وسقوطه بات مسألة وقت. وكأن بعض الذين يتابعون السياسة لا يقرأون الوقائع وتعقيداتها، بل يقرأون المستقبل كما يُقرأ علم الغيب في فنجان قهوة، ويبحثون في كل حدث عن دليل يؤكد النتيجة التي يريدون الوصول إليها مسبقاً.

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن إيران أو تبرير سياسات نظامها. فهي تواجه أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وتتعرض لضغوط داخلية وخارجية، كما تلقى نفوذها الإقليمي ضربات وتحديات واضحة. لكن وجود هذه الأزمات لا يعني تلقائياً أن النهاية أصبحت محسومة.

المسألة الأساسية التي يغفلها كثيرون هي الفرق بين النظام والدولة. النظام سلطة سياسية قابلة للتغيير أو الاستبدال، أما الدولة فهي كيان أوسع وأكثر رسوخاً، يقوم على السكان والمؤسسات والجغرافيا والموارد والذاكرة التاريخية. ولذلك فإن الحديث عن احتمال تغيير النظام الإيراني شيء، والحديث عن زوال إيران كدولة شيء آخر تماماً.

ويبدو أن البعض يتعامل مع ما حدث في سوريا بوصفه نموذجاً جاهزاً يمكن إسقاطه على إيران. وكأن الأنظمة تتحرك وفق قاعدة الدومينو: سقط نظام هنا، إذاً سيأتي الدور تلقائياً على نظام آخر. لكن الدول ليست نسخاً متطابقة، ولكل مجتمع تركيبته، ولكل سلطة أدواتها، ولكل أزمة ظروفها ومسارها. ما حدث في سوريا لا يمكن تحويله إلى جدول زمني لتوقع مستقبل إيران.

هذا لا يعني أن النظام الإيراني محصّن من التغيير، كما لا يعني أن أزماته سطحية أو مؤقتة. لكنه يعني أن التحليل السياسي يحتاج إلى أكثر من رغبة في حدوث شيء. فبين الاحتجاج وسقوط السلطة، وبين الأزمة الاقتصادية والانهيار السياسي، وبين الضربة العسكرية وتغيير النظام، مساحات واسعة من التعقيد لا يمكن اختصارها بعنوان أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن استمرار مؤسسات الدولة وأجهزتها لا يعني أن النظام قوي بلا حدود أو أنه تجاوز أزماته. لكنه يدل على أن أدوات السيطرة وإدارة الأزمة ما زالت قائمة، وأن قراءة المشهد يجب أن تكون أبعد من ثنائية بسيطة: منتصر أو منهزم، باقٍ أو منتهٍ.

لكن السؤال الذي أعتقد أنه يستحق اهتماماً أكبر ليس فقط ما سيحدث في إيران، بل ما الذي قد يحدث للمنطقة كلها.

ماذا لو كان الجميع ينظر إلى المكان الخطأ؟

قد يراهن البعض على سقوط النظام الإيراني، أما أنا فأرى أن بعض الدول الموجودة اليوم على خريطة الشرق الأوسط قد تكون أكثر عرضة للتفكك أو الزوال بصيغتها الحالية من إيران نفسها.

لا أقول ذلك لأنني أتمنى سقوط أي دولة، بل لأن المنطقة تضم دولاً أنهكتها الحروب، ومزقتها الانقسامات، وأضعفت مؤسساتها الصراعات الداخلية، وتحولت أراضيها إلى ساحات لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية.

هناك فرق بين دولة تواجه أزمة سياسية، ودولة يصبح السؤال فيها متعلقاً بقدرتها على البقاء ككيان موحد.

وهنا تكمن المفارقة.

بينما ينشغل الجميع بانتظار نهاية النظام الإيراني، قد تكون دول أخرى تتآكل بصمت. وقد لا يكون التغيير الأكبر في الشرق الأوسط تغيير نظام بعينه، بل إعادة رسم الخريطة السياسية نفسها.

الدول التي تبدو قوية اليوم قد تدخل غداً مرحلة ضعف، والدول التي تبدو مستقرة قد تكتشف أن مؤسساتها أكثر هشاشة مما كانت تعتقد. وفي المقابل، قد تثبت دول تواجه أزمات هائلة قدرة على البقاء والتكيف تفوق توقعات خصومها.

لهذا فإنني لا أراهن على مستقبل أي نظام، ولا أملك إجابة جاهزة عن شكل المنطقة بعد سنوات. لكنني أرفض أن تتحول الرغبات إلى تحليلات، وأن يتحول الاحتمال إلى حقيقة مؤكدة.

قد يراهن البعض على إيران.

أما أنا، فأخشى على بعض الدول في خريطة الشرق الأوسط الجديد.

من منا سيكون على حق؟

لا أحد يعرف.

وربما تكون المفاجأة الكبرى أننا جميعاً كنا نراقب إيران، بينما كانت الخريطة نفسها تتغير من تحت أقدامنا.

فالسياسة ليست فنجان قهوة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى