بعد اليونيفيل..هل يستعيد لبنان دولته وسيادته في الجنوب؟

بقلم : د. ليون سيوفي 

باحث وكاتب سياسي

مع اقتراب نهاية مرحلة طويلة من وجود قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، يقف البلد أمام استحقاق يتجاوز مستقبل القوة الدولية ودورها الميداني. فالمسألة الأساسية تتعلق بمن سيتولى حماية الجنوب وإدارة حدوده ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والحسابات الخارجية. وإذا أدى انسحاب اليونيفيل أو تراجع مهمتها إلى فراغ أمني وسياسي، فإن الخطر لن يقتصر على الحدود، بل سيطال جوهر الدولة اللبنانية وقدرتها على ممارسة سيادتها.

لذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد: من سيملأ الفراغ بعد اليونيفيل؟ بل: هل ستستعيد الدولة اللبنانية مسؤولياتها كاملة، أم سيبقى الجنوب رهينة التوازنات والتجاذبات الإقليمية؟ والنتيجة العملية واضحة: لا يمكن منع الفراغ إلا بتسلّم الدولة، عبر الجيش والمؤسسات الشرعية، المسؤولية الكاملة عن الأمن والحدود وقرار الحرب والسلم، ضمن خطة زمنية مدعومة سياسياً ودولياً وقابلة للتنفيذ.

أمام هذا الواقع، لم يعد أمام الدولة اللبنانية مجال للمراقبة أو الانتظار. فالمطلوب هو استعادة قرارها كاملاً، وتثبيت حضورها عبر مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، بحيث تصبح حماية الحدود وقرار الحرب والسلم مسؤولية وطنية واضحة لا تخضع للتجاذبات أو المساومات. إن مرحلة ما بعد اليونيفيل ليست مجرد استحقاق أمني، بل اختبار حاسم لقدرة لبنان على استعادة سيادته ومنع الفراغ من التحول إلى واقع دائم.

ولا يمكن لأي دولة أن تدّعي السيادة فيما يبقى قرار الحرب والسلم موزعاً بين أكثر من جهة، أو فيما تكون المؤسسة العسكرية الشرعية عاجزة عن امتلاك الإمكانات اللازمة لحماية الحدود. فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل قدرة فعلية على ضبط الأرض، وحماية المواطنين، ومنع أي جهة من فرض إرادتها خارج إطار الدولة.

ولتحقيق ذلك، على الدولة اللبنانية أن تبدأ فوراً بخطة عملية واضحة تتضمن تعزيز انتشار الجيش على الحدود، وتزويده بالعتاد والتجهيزات والقدرات الاستخبارية اللازمة، وإنشاء آلية تنسيق دائمة بين الجيش والقوى الأمنية والسلطات المحلية لضبط المعابر ومنع التهريب والتسلل. كما يجب أن تطلب دعماً دولياً مباشراً ومشروطاً بتقوية المؤسسات الشرعية، لا بترتيبات مؤقتة تؤجل المشكلة، وأن تضع جدولاً زمنياً لتسلّم الجيش كامل المسؤوليات الأمنية والعسكرية في الجنوب.

ولا يجوز أن يطالب المجتمع الدولي لبنان بحصر القرار الأمني والعسكري في مؤسسات الدولة، ثم يترك جيشه من دون الإمكانات التي تمكّنه من أداء هذه المهمة. فالدعم الدولي المطلوب يجب أن يكون عملياً ومستداماً، وأن يركز على تسليح الجيش وتطوير قدراته وتعزيز المؤسسات، لا على إدارة الأزمة من مرحلة إلى أخرى من دون معالجة جذورها.

ولا تكتمل حماية الحدود من دون قرار سياسي موحد يرسخ حصرية الدولة في إدارة الشأن الأمني والعسكري، ومن دون استراتيجية وطنية تحدد بوضوح الجهة المخولة بالدفاع عن لبنان واتخاذ قرار الحرب والسلم. كما ينبغي إطلاق مسار دبلوماسي نشط لتثبيت الحدود، ومعالجة الخروقات، وتطبيق القرارات الدولية بصورة متوازنة، بما يحمي لبنان من الاعتداءات ويمنع استخدام أراضيه منصة للصراعات الإقليمية.

 

إن الجيش اللبناني هو المؤسسة الوطنية التي تجمع اللبنانيين، وقد أثبت عبر السنوات أنه الأكثر قدرة على حماية وحدة البلاد رغم الانقسامات السياسية والطائفية. غير أن الجيش لا يستطيع تحمل مسؤولية حدود ملتهبة وصراع إقليمي مفتوح من دون قرار سياسي واضح، ودعم مالي وعسكري، وقدرات دفاعية واستخبارية متطورة.

 

إن المسؤولية الكاملة عن الجنوب يجب أن تكون للدولة اللبنانية وحدها، عبر الجيش اللبناني ومؤسساتها الشرعية. فإذا أرادت الدولة أن تمنع الفراغ، فعليها أن تتولى مسؤولياتها كاملة قبل أن يتحول الفراغ إلى واقع دائم. أما التردد، فلن يكون حياداً، بل تنازلاً تدريجياً عن السيادة.

 

وقد تكون مرحلة ما بعد اليونيفيل فرصة تاريخية نادرة أمام لبنان. فإما أن يستعيد قراره وسيادته، فتكون الحدود تحت مسؤولية الجيش، والقرار الأمني والعسكري تحت سقف المؤسسات، والسيادة حقيقة لا مجرد خطاب؛ وإما أن يكرر التجربة نفسها، فينتظر وقوع الأزمة ثم يبحث عن حلول مؤقتة تمنع الانفجار.

لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة، ولا إلى فراغ جديد، ولا إلى حرب جديدة. لبنان يحتاج إلى دولة لا ينازعها أحد على أرضها، ولا يُتخذ قرار الحرب والسلم بعيداً عن مؤسساتها، ويكون جيشها قادراً على حماية شعبها وحدودها وسيادتها.

والخلاصة العملية أن مرحلة ما بعد اليونيفيل يجب أن تتحول من مصدر قلق إلى خطة لاستعادة الدولة: انتشار كامل للجيش في الجنوب، دعم دولي مباشر لبناء قدراته، قرار سياسي موحد بحصر القرار الأمني والعسكري في المؤسسات الشرعية، ومسار دبلوماسي يثبت الحدود ويحميها. فحماية الجنوب لا تبدأ بترتيب مؤقت جديد، بل بإعادة الاعتبار للدولة، ولا تكتمل إلا عندما تمتلك وحدها القرار والمسؤولية عن كل شبر من الأراضي اللبنانية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى