بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

لم تعد مرتفعات علي الطاهر تفصيلاً عسكرياً عابراً في المشهد الجنوبي. ما يجري هناك اليوم يقترب من نقطة شديدة الخطورة، بعدما تحوّلت المنطقة إلى مواجهة مباشرة حول مواقع استراتيجية ومنشآت تحت الأرض، فيما تتحدث تقارير إسرائيلية عن تمسّك الجيش الإسرائيلي بما يسمّيه مجمع الأنفاق في علي الطاهر واستعداده لمواصلة العمليات هناك.

لكن السؤال الذي يجب أن يفرض نفسه على لبنان والعالم ليس: هل ستفجّر إسرائيل الأنفاق؟

السؤال الأخطر هو، ماذا سيحدث للبنان إذا قررت إسرائيل تفجيرها على نطاق واسع؟

نحن لسنا أمام تلة عادية، ولا أمام مبنى يمكن قصفه ثم انتهاء الأمر. نحن أمام منشآت تحت الأرض، وطبيعتها الدقيقة وامتدادها وترابطها ومحتوياتها ليست معروفة للرأي العام بصورة موثوقة. وبالتالي فإن أي عملية تفجير واسعة تحمل احتمال حدوث انهيارات وارتدادات وأضرار في محيطها لا يمكن تقدير مداها مسبقاً من خلال البيانات العسكرية وحدها.

وقد شهد الجنوب بالفعل عمليات تفجير إسرائيلية ضخمة تسببت باهتزازات عنيفة شعر بها السكان، فيما تحدثت تقارير عن استخدام كميات كبيرة جداً من المتفجرات في عمليات هدم منشآت تحت الأرض، وسط مخاوف من أضرار واسعة في البيئة والممتلكات. 

وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الخطر لا يكمن فقط في الانفجار نفسه، بل في ما بعد الانفجار.

إذا أدى التفجير إلى سقوط قتلى أو جرحى، أو إلى أضرار في القرى والممتلكات، أو إذا اعتُبر خطوة إسرائيلية جديدة لتغيير الواقع الميداني في الجنوب، فإن الرد لن يبقى بالضرورة محصوراً داخل علي الطاهر.

وقد رأينا بالفعل كيف تحوّل التصعيد الأخير إلى مأساة مدنية، بعدما أسفرت الغارات الإسرائيلية في 15 آب عن مقتل 11 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، في واحدة من أعنف الضربات منذ بدء الهدنة في 20 حزيران. 

فمَن يضمن أن يكون تفجير علي الطاهر آخر خطوة؟

ومن يضمن ألا يتحول إلى بداية لسلسلة جديدة من الضربات والردود والضربات المضادة؟

إسرائيل تقول إنها تستهدف ما تعتبره بنية عسكرية لحزب الله، وحزب الله يعتبر العمليات الإسرائيلية خرقاً وتصعيداً. وبين الموقفين يقف لبنان، مرة أخرى، في قلب النار، بينما يدفع المدنيون الثمن. 

إن محاولة فرض معادلة جديدة بالقوة في جنوب لبنان تحمل مخاطر تتجاوز الحساب العسكري المباشر. فمرتفعات علي الطاهر تتمتع بموقع استراتيجي يتيح الإشراف على مناطق واسعة من النبطية وإقليم التفاح ووادي الليطاني ومحاور حركة أساسية، ولذلك فإن السيطرة عليها أو تدمير بنيتها التحتية ليست مسألة تقنية محضة، بل جزء من صراع على شكل الجنوب في المرحلة المقبلة. 

وهنا يجب أن نقولها بوضوح، اللعب بالنار في علي الطاهر ليس بطولة عسكرية، بل مقامرة بمصير الجنوب.

فالجنوب ليس ساحة تجارب، والقرى اللبنانية ليست أهدافاً هامشية في خرائط العمليات، ودماء المدنيين ليست رقماً يمكن وضعه في هامش بيان عسكري.

والأخطر أن أي تفجير كبير قد يمنح المتشددين على الجانبين الذريعة التي يبحثون عنها لتوسيع المواجهة.

تفجير واحد قد يجرّ رداً.

والرد قد يجرّ رداً آخر.

وعندها لا يعود أحد قادراً على ضبط مسار الأحداث.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً من الحروب السابقة، وليس من المقبول أن يُعاد إدخاله في حرب جديدة تحت عناوين أمنية أو حسابات سياسية لا يدفع ثمنها أصحاب القرار أنفسهم، بل أهل الجنوب واللبنانيون جميعاً.

وإذا كانت إسرائيل تريد تدمير الأنفاق، فلتدرك أن تدمير الأنفاق شيء، وتدمير الاستقرار الهش في لبنان شيء آخر تماماً.

أما إذا كان الهدف يتجاوز الأنفاق إلى فرض أمر واقع عسكري جديد، فعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤوليته قبل أن يصبح الجنوب أمام حرب جديدة لا يستطيع أحد تحديد سقفها.

اليوم، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الاستعراضات العسكرية، بل إلى وقف دوامة التصعيد، حماية المدنيين، تثبيت وقف إطلاق النار، وإلزام الجميع باحترام سيادة لبنان.

لأن الحقيقة التي يجب ألا يغفل عنها أحد هي أن ، علي الطاهر قد تكون فوق نفق… لكن النار التي قد تشتعل بسببها ليست تحت الأرض.

قد تبدأ من هناك، ثم تنتشر على مساحة الجنوب كله.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد، هل ستفجّر إسرائيل الأنفاق؟

بل أصبح ، هل يدرك الجميع أن تفجير علي الطاهر قد يكون الشرارة التي تعيد لبنان إلى حربٍ لا يريدها، ولا يستطيع تحمّل ثمنها؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى