حين ينتهي الحقد… يبدأ انتصار لبنان

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لا يمكن للبنان أن يخرج من أزماته طالما أن الطبقة السياسية ما زالت تتعامل مع اللبنانيين على أساس الانقسام، وتستخدم الخلافات الطائفية والسياسية والمذهبية وقوداً لإبقاء نفوذها. فالمشكلة لم تعد فقط في اختلاف المشاريع السياسية، وإنما في تحوّل هذا الاختلاف إلى حقد متبادل، وفي إصرار معظم القوى السياسية على مخاطبة جمهورها بمنطق «نحن» في مواجهة «هم»، وكأن لبنان لا يتسع إلا لفريق واحد.
وهنا يجب أن تكون الكلمة واضحة وصريحة: الأحزاب اللبنانية، من دون استثناء، تتحمل مسؤولية مباشرة عن جزء كبير من الحالة التي وصل إليها البلد. قد تختلف مسؤولية حزب عن آخر في الحجم والتوقيت والظروف، لكن لا يجوز لأي طرف أن يقدّم نفسه على أنه بريء تماماً من ثقافة التخوين والانقسام والمواجهة التي أنهكت المجتمع اللبناني وأضعفت الدولة.
لقد عاش اللبنانيون سنوات طويلة تحت تأثير خطاب سياسي يقوم على التخويف من الآخر. كل فريق يقول لجمهوره إن الخطر موجود في الجهة المقابلة، وكل زعيم يقدّم نفسه على أنه الحامي الوحيد لطائفته أو بيئته أو جمهوره. والنتيجة ماذا كانت؟ دولة ضعيفة، اقتصاد منهك، مؤسسات عاجزة، هجرة متزايدة، وفرص ضائعة، فيما لا يزال السياسيون يتصارعون على النفوذ والحصص وكأن البلد يعيش أفضل أيامه.
لقد أوصلنا الحقد السياسي المتراكم والانقسام المزمن إلى الحضيض، لكن يبدو أن بعض القوى السياسية لم تتعلم بعد أن استمرار هذه العقلية لن يؤدي إلا إلى المزيد من الانهيار.
المشكلة ليست أن يكون للبناني رأي سياسي مختلف. الاختلاف حق طبيعي، بل هو أساس الحياة الديمقراطية. والمشكلة ليست أن تتنافس الأحزاب على السلطة، فهذا جزء من النظام السياسي. المشكلة تبدأ عندما يصبح الخصم السياسي عدواً، وعندما يتحول الاختلاف إلى تخوين، وعندما تصبح الطائفة وسيلة لحشد الناس، وعندما يُستخدم الماضي لتأجيج الحاضر، وعندما يصبح سقوط الطرف الآخر أهم من إنقاذ الدولة.
أي وطن يمكن أن ينهض بهذه العقلية؟
كيف يمكن أن نطلب من المستثمر أن يثق بلبنان بينما اللبناني نفسه لا يثق باللبناني؟ وكيف يمكن أن نطالب الشباب بالبقاء في وطنهم بينما الخطاب السياسي يدفعهم إلى اليأس والهجرة؟ وكيف يمكن أن نبني دولة حديثة بينما لا يزال بعض السياسيين يتعاملون مع مؤسساتها باعتبارها أدوات لخدمة النفوذ الحزبي؟
لبنان لا يحتاج إلى أن يتفق أبناؤه على كل شيء. لن نتفق جميعاً على المقاومة والسلاح، ولا على علاقات لبنان الخارجية، ولا على النظام الاقتصادي، ولا على طريقة إدارة الدولة. وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع سياسي.
لكن ما يجب أن نتفق عليه هو أن الخلاف السياسي لا يبرر كراهية الوطن ولا كراهية المواطن لأخيه المواطن.
المطلوب اليوم من الأحزاب، كلها، أن تعيد النظر في خطابها السياسي. عليها أن تدرك أن اللبناني لم يعد يحتمل المزيد من الشعارات التي تعيد إنتاج الانقسام نفسه. الناس تريد دولة تؤمن لهم الكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء وفرص العمل والقضاء العادل والأمن والاستقرار، لا مزيداً من المعارك السياسية التي لا تنتهي.
نريد أحزاباً تتنافس على تقديم الحلول، لا على زيادة شعبية الحقد. نريد معارضة تراقب وتحاسب، لا معارضة تقوم على التخوين. ونريد سلطة تحكم وفق القانون، لا وفق ميزان القوة والمحاصصة.
القانون يجب أن يكون فوق الحزب، والدولة فوق الزعيم، والمصلحة الوطنية فوق المصلحة الطائفية.
وإذا كان لكل حزب الحق في الدفاع عن جمهوره ومشروعه، فعليه أيضاً أن يتحمل مسؤوليته تجاه الوطن كله. فلا يمكن أن يكون لبنان عظيماً عندما ينتصر حزب، ومنهاراً عندما يخسر حزب آخر. لبنان ليس جائزة يتقاسمها السياسيون، وليس ملكاً لطائفة أو حزب أو زعيم.
لبنان وطن لجميع أبنائه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من انتصر على من؟
السؤال هو..متى ينتصر لبنان على أزماته؟
متى ننتقل من عقلية الثأر السياسي إلى عقلية بناء الدولة؟ متى نتوقف عن انتظار فشل الآخر كي نشعر أننا نجحنا؟ ومتى ندرك أن نجاح اللبناني الآخر ليس تهديداً لنا، بل يمكن أن يكون جزءاً من نجاح الوطن؟
إن إنهاء الحقد بين اللبنانيين ليس مسألة عاطفية أو أخلاقية فقط؛ إنه ضرورة سياسية واقتصادية. فلا استقرار من دون ثقة، ولا استثمار من دون استقرار، ولا اقتصاد منتج من دون مؤسسات قوية، ولا دولة قوية في ظل مجتمع ممزق بين جماعات سياسية تتعامل مع بعضها وكأنها في حرب دائمة.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على المواطن وحده. الأحزاب مطالبة قبل غيرها بأن تتوقف عن إنتاج الحقد الذي تستخدمه لحشد الناس. فالجمهور يتأثر بالخطاب السياسي، وعندما يكون الخطاب قائماً على التخوين والتخويف، يصبح الانقسام جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع.
لقد آن الأوان لأن يتوقف كل فريق عن النظر إلى لبنان من زاوية انتصاره الخاص. لا أحد يستطيع إنقاذ لبنان وحده، ولا أحد يستطيع إسقاطه وحده. نحن جميعاً داخل المركب نفسه، وإذا غرق المركب فلن يسأل البحر عن الحزب أو الطائفة أو المنطقة.
إما أن نخرج من هذه الدائرة معاً، أو نبقى ندور حول أنفسنا بينما يواصل لبنان دفع الثمن.
أنا لا أطالب اللبنانيين بأن يتخلوا عن قناعاتهم، ولا أطالب الأحزاب بأن تتخلى عن مشاريعها السياسية. أنا أطالب بشيء أبسط وأهم: أن يتوقفوا عن تحويل الاختلاف إلى حقد، وأن يتوقفوا عن استخدام اللبناني ضد اللبناني.
فلبنان لن ينهض بإلغاء أحد، ولن يتقدم بتهميش أحد، ولن يبنى على كراهية نصف أبنائه للنصف الآخر.
لبنان ينتصر عندما يصبح اختلافنا السياسي وسيلة لتطوير الدولة، لا سبباً لتدميرها.
وحين تنتهي ثقافة الحقد والتخوين والاستقواء والانقسام، وحين تدرك الأحزاب أن الوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، يمكن عندها أن يبدأ اللبنانيون مرحلة جديدة عنوانها الدولة، والاستقرار، والعمل، والإنتاج، والازدهار.