أفريقيا بين التنوع الديني وصراع النفوذ.. حين تصبح الجامعة جسراً لا ساحة للصراع

رؤية وتحليل : علي خليل
في قارة مثل أفريقيا، حيث تتجاور الأديان والثقافات واللغات، وحيث عانت دول كثيرة من الحروب الأهلية والانقلابات السياسية والصراعات على النفوذ، يصبح الحديث عن المؤسسات التعليمية والدينية أكثر حساسية من أي وقت مضى.
ومن هنا تأتي أهمية جامعة أفريقيا العالمية باعتبارها مؤسسة تعليمية ارتبط تاريخها، منذ نشأتها باسم المركز الإسلامي الأفريقي في ستينيات القرن الماضي، بالتعليم واستقبال الطلاب من دول أفريقية متعددة.
وقد أثار تاريخ الجامعة، ودورها في تخريج طلاب من مختلف أنحاء القارة، الكثير من النقاشات حول تأثير المؤسسات التعليمية والدينية في تشكيل الوعي الأفريقي. لكن التعامل مع هذه المسألة يجب أن يبتعد عن لغة التخوين والاتهام، وأن يستند إلى وقائع موثقة، لأن أفريقيا ليست ساحة لمعركة بين دين ودين، وإنما قارة تبحث عن الاستقرار والتنمية وبناء الإنسان.
التعليم أقوى من الانقلاب
ربما تكون أخطر معادلة تواجه أفريقيا اليوم هي أن يتحول الدين إلى أداة للصراع السياسي، والتعليم إلى وسيلة للاستقطاب، والهوية إلى وقود للانقلابات والحروب.
القارة التي شهدت خلال عقود انقلابات عسكرية وصراعات عرقية وحروبًا أهلية لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام، وإنما تحتاج إلى جامعات تصنع الطبيب والمهندس والمعلم والباحث، وتمنح الطالب القدرة على فهم الاختلاف بدلًا من تحويله إلى عداوة.
ومن حق جامعة أفريقيا العالمية أن تدافع عن رسالتها وهويتها، ومن حق المؤسسات المسيحية والأفريقية الأخرى أن تمارس أدوارها التعليمية والدينية في إطار القانون، لكن الخط الفاصل يجب أن يكون واضحًا:
لا تنصير بالقوة.. ولا أسلمة بالقوة.. ولا تسييس للدين.. ولا تحويل للجامعة إلى ساحة صراع حضاري.
رسالة إلى مجلس الكنائس الأفريقي
وإذا كانت هناك بالفعل مؤسسات أو جهات تنظر إلى جامعة أفريقيا العالمية باعتبارها عائقًا أمام مشروع ديني أو ثقافي، فإن رسالتنا إلى مجلس الكنائس الأفريقي واضحة: أفريقيا ليست أرضًا لمشروع ديني واحد، وليست ساحة لتصفية الحسابات بين الإسلام والمسيحية. هذه القارة المتعددة الأديان والثقافات تحتاج إلى من يبني الجسور لا من يهدمها، وإلى جامعات تفتح أبواب المعرفة لا ساحات للصراع.
نحن لا نخشى الحوار، ولا نخشى التنافس الفكري، ولا نرفض أن تمارس الكنائس والمؤسسات الإسلامية أدوارها المشروعة في التعليم والخدمة المجتمعية، لكننا نرفض أن يتحول الاختلاف الديني إلى مشروع للإقصاء أو تفكيك المؤسسات أو تغيير هوية الشعوب بالقوة أو الضغط.
اتركوا لأفريقيا حقها في أن تختار.. واتركوا للإنسان حقه في أن يؤمن.. واتركوا للجامعة حقها في أن تعلم.
فالمستقبل لن تصنعه حملات التنصير ولا حملات الأسلمة، وإنما تصنعه المعرفة، والحرية، والتنمية، والإنسان الذي يعرف كيف يختلف دون أن يقتل أو يقصي أو يهدم.
وإذا كان مجلس الكنائس الأفريقي يريد لأفريقيا أن تنهض، فليكن التنافس بيننا في بناء المدارس والمستشفيات والجامعات، وفي مكافحة الفقر والجهل والمرض، لا في إشعال صراع ديني جديد في قارة أنهكتها الانقلابات والحروب.
أفريقيا أكبر من أن تكون ساحة لصراع ديني.. وأعظم من أن تُختزل في مشروع تنصير أو أسلمة.
والجامعة التي تخدم الإنسان لا ينبغي أن تكون عدوًا لأحد؛ فالعدو الحقيقي لأفريقيا هو الجهل والفقر والفوضى والكراهية.
أفريقيا لا تحتاج إلى حرب أديان
القارة الأفريقية تضم مسلمين ومسيحيين وأتباع ديانات ومعتقدات أخرى، كما تضم مجتمعات تختلف في ثقافاتها وتقاليدها بصورة هائلة.
ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لبناء أفريقيا يجب أن يقوم على التعايش واحترام حرية الاعتقاد وحرية التعليم وحق الإنسان في اختيار معتقده.
أما الحديث عن مؤامرات واسعة لتغيير عقيدة القارة أو تفكيك مؤسسة بعينها، فيجب أن يخضع دائمًا للأدلة والوثائق، لا للروايات المتداولة أو الاتهامات غير الموثقة.
فالاختلاف بين المؤسسات الدينية والتعليمية يمكن أن يكون مشروعًا، أما تحويله إلى صراع وجودي بين «نحن» و«هم»، فهو أخطر ما يمكن أن يحدث في قارة دفعت ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها بسبب الانقسامات.
الجامعة التي نريدها
إذا كانت جامعة أفريقيا العالمية قد استطاعت بالفعل أن تخرج أجيالًا من الطلاب الأفارقة، فإن قوتها الحقيقية لا ينبغي أن تكون في قدرتها على مواجهة مؤسسة دينية أخرى، وإنما في قدرتها على إنتاج المعرفة وبناء الإنسان الأفريقي وخدمة المجتمعات التي يأتي منها طلابها.
وهنا يمكن أن تتحول الجامعة إلى نموذج مختلف:
جامعة تحافظ على هويتها الإسلامية، لكنها تفتح أبوابها للعلم والحوار؛
تتمسك بقيمها، لكنها لا تخاف من الآخر؛
تخرج طالبًا يعتز بدينه، لكنه يحترم المختلف عنه؛
وتجعل من التعليم وسيلة لبناء الدولة، لا أداة للصراع عليها.
أفريقيا تحتاج إلى جسور لا متاريس
في قارة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتنتشر فيها الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة والانقلابات، فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث هو تحويل التنوع الديني إلى وقود لصراع جديد.
لقد أثبت التاريخ أن الانقلاب يمكن أن يسقط حكومة، والحرب يمكن أن تهدم مدينة، لكن الجامعة تستطيع أن تعيد بناء الإنسان.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن أي مؤسسة تعليمية لا يكون بإشعال الكراهية ضد الآخرين، وإنما بإثبات قدرتها على تقديم العلم، وخدمة المجتمع، وصناعة أجيال قادرة على إدارة الاختلاف بالحوار.
أفريقيا ليست ملكًا لدين واحد، ولا لمذهب واحد، ولا لقوة سياسية واحدة.
أفريقيا ملك لأبنائها جميعًا.. ومسؤولية النخب فيها أن تجعل من الاختلاف مصدرًا للقوة، لا ذريعة للصراع.
وفي النهاية، فإن الصراع الحقيقي الذي تحتاج أفريقيا إلى خوضه ليس بين الإسلام والمسيحية، وإنما بين العلم والجهل، التنمية والفقر، الدولة والفوضى، والحوار والعنف.
وهناك فقط يمكن أن يبدأ مستقبل مختلف لقارة أنهكتها الانقسامات، وما زالت تبحث عن طريقها إلى الاستقرار.