أطفال غزة.. حين يكبر الجرح قبل الجسد ؟؟

الصورة تبدو للوهلة الأولى كأنها لقطة من طفولة عادية.

أطفال يضحكون.. طفل فوق لوح خشبي يرفع يده بعلامة النصر، وآخرون يحملونه على أكتافهم.

لكن التدقيق في المشهد يكشف الحقيقة الأكثر قسوة:

هؤلاء الأطفال لا يحملون طفلًا فقط.. إنهم يحملون ما تبقى من طفولتهم.

في مكان آخر من العالم، كان يمكن أن يكون هذا الخشب لعبة، أو جزءًا من مقعد في مدرسة، أو شيئًا يصنع منه الأطفال مركبًا صغيرًا في حديقة.

أما في غزة، فقد تحول الخشب إلى وسيلة للحياة، وتحولت الطفولة نفسها إلى محاولة يومية للنجاة.

وهنا يبدأ السؤال الذي قد يكون أخطر من أرقام القتلى والجرحى:

ماذا سيحدث لهؤلاء الأطفال عندما يكبرون؟


أرقام الموت لا تحكي القصة كاملة

الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة، لكنها لا تكشف عمقها.

فى 3 فبراير 2026، قالت اليونيسف إن ما لا يقل عن 21,289 طفلًا قُتلوا في غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بينما أُصيب 44,500 طفل، بينهم أكثر من 11 ألف طفل يعانون إصابات غيّرت حياتهم بصورة دائمة أو طويلة الأمد.

لكن هناك جرحًا آخر لا يظهر بسهولة في جداول الإحصاء.

الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية قدّرتا في مايو 2026 أن عدد حالات بتر الأطراف الناتجة عن إصابات الحرب منذ أكتوبر 2023 قد يصل إلى ما بين 5,161 و6,710 حالة. ومن بين مبتوري الأطراف الذين جرى تقييمهم، كان الأطفال يمثلون 18%.

أي أننا لا نتحدث فقط عن أطفال فقدوا ساقًا أو ذراعًا.

نحن نتحدث عن طفل فقد جزءًا من جسده في اللحظة التي كان من المفترض أن يكتشف فيها جسده والعالم من حوله.

طفل كان يفترض أن يتعلم الجري..

فأصبح عليه أن يتعلم كيف يمشي من جديد.

طفل كان يفترض أن يلعب كرة القدم..

فأصبح عليه أن يتعلم كيف يعيش مع طرف صناعي.

طفلة كان يفترض أن تنشغل بثوبها المدرسي وشعرها وأصدقائها..

فقد تجد نفسها في مواجهة المرآة بسؤال أكبر من عمرها:

لماذا أنا؟


الجرح الذي لا يظهر في الأشعة

هناك إصابة يستطيع الطبيب رؤيتها: جرح في الرأس، كسر في العظام، فقدان طرف، حروق أو إصابة في العمود الفقري. لكن هناك جروحًا لا تظهر في الأشعة، وربما تكون أكثر استمرارًا: الخوف، والفقد، والصدمة، والإحساس بعدم الأمان، والحزن على الأب أو الأم أو الأخ أو الصديق، والخوف من عودة القصف، والخوف من النوم، والخوف من صوت الطائرات، والسؤال الدائم: هل سأبقى حيًا حتى الغد؟

وتقول اليونيسف إن نحو تسعة من كل عشرة أطفال ممن جرى استشارتهم في غزة أفادوا بأنهم يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي. كما خلص تقييم اليونيسف للأطفال في أواخر 2025 ومطلع 2026 إلى أن الأطفال يواجهون اضطرابًا طويلًا في التعليم وتراجعًا في فرص التعافي، بينما يواجه المراهقون فرصًا أضيق ومخاطر متزايدة للتكيف بوسائل سلبية.

وهنا تصبح الصورة أخطر من مجرد صورة أطفال تحت الأنقاض. نحن أمام جيل يتشكل نفسيًا تحت الأنقاض.

ماذا يحدث لعقل طفل يعيش الحرب؟

الطفل لا يمتلك الأدوات النفسية التي يمتلكها الشخص البالغ لفهم الحرب. البالغ يستطيع أن يقول: هناك حرب، هناك احتلال، هناك سياسة، هناك طرف يهاجم وطرف يدافع، وهناك بداية ونهاية. أما الطفل فلا يرى كل ذلك. هو يرى البيت ينهار، ويرى والده ينزف، ويرى أمه تبكي، ويرى أخاه يُدفن، ويسمع الانفجار ولا يعرف متى يأتي التالي.

ومع تكرار الخوف، قد تتحول حالة الطوارئ إلى طريقة دائمة لفهم العالم. العالم بالنسبة إليه قد يصبح مكانًا غير آمن، والإنسان قد يصبح مصدرًا للخطر، والبيت قد لا يعني الأمان، والليل قد يعني القصف، والصوت المرتفع قد يعني الموت.

وهنا لا يعود السؤال فقط: ماذا حدث للطفل؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا فعل ما حدث بصورة الطفل للعالم من حوله؟

الطفل الذي فقد ساقه.. هل فقد مستقبله؟

لا. وهذه نقطة يجب ألا نقع فيها ونحن نكتب عن أطفال غزة. الإعاقة ليست نهاية الإنسان، والصدمة ليست حكمًا أبديًا. الطفل الذي فقد طرفًا يستطيع أن يتعلم ويعمل ويحب ويتزوج وينجب، ويمكن أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو صحفيًا أو معلمًا أو رياضيًا أو أي شيء آخر.

لكن ذلك لا يحدث تلقائيًا. إنه يحتاج إلى علاج، وطرف صناعي مناسب، ومدرسة، وبيئة لا تنظر إليه باعتباره مجرد “ضحية”، ومجتمع يعيد إليه الإحساس بالقدرة لا الإحساس بالعجز.

وتحتاج غزة إلى منظومة هائلة لإعادة التأهيل؛ فوجود آلاف الحالات التي تحتاج إلى تأهيل وجراحات وإمدادات مساعدة يعني أن المعركة الإنسانية لن تنتهي بانتهاء الإصابة نفسها.

إذن، المشكلة ليست في الطرف الذي فُقد فقط، بل في السؤال الأكبر: هل سيُعطى هذا الطفل الأدوات التي تساعده على بناء حياة جديدة؟

وماذا عن الطفل الذي لم يفقد طرفًا؟

ربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر قسوة. هناك طفل خرج من الحرب بجسده كاملًا، لكنه فقد والده أو والدته أو منزله أو مدرسته أو أصدقاءه أو سنوات طفولته.

وهذا الطفل قد يبدو سليمًا أمام الكاميرا، لكن “السلامة الجسدية” لا تعني بالضرورة السلامة النفسية.

ولهذا فإن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تبدأ وتنتهي بالإسمنت. إعادة بناء البيت ليست إعادة بناء الإنسان.

قد نبني المدرسة، لكن علينا أن نعيد الطفل إلى المدرسة. وقد نعيد بناء المستشفى، لكن علينا أن نعالج ذاكرة الطفل. وقد نزيل الركام، لكن علينا أن نزيل الخوف الذي استقر في داخله.

 

السؤال الأصعب: عندما يصبحون شبابًا

هنا تبدأ القصة التي لا نراها في الصور.

هذا الطفل الذي يحمل اليوم لوحًا خشبيًا، بعد عشر سنوات قد يصبح شابًا. وهذه الطفلة التي تقف اليوم بين أقرانها قد تصبح امرأة.

فماذا سيحدث عندما يصلون إلى سن الزواج؟ هل سيحبون؟ هل سيثقون؟ هل سيقبلون الحياة الطبيعية؟ هل يستطيع شاب فقد ساقه أن يرى نفسه زوجًا وأبًا؟ وهل تستطيع فتاة فقدت جزءًا من جسدها أن تتجاوز نظرة المجتمع إليها؟ وهل سيخافون من إنجاب أطفال لأنهم يعرفون معنى فقدان الطفل؟ وهل ستعيد ذكريات الحرب تشكيل علاقتهم بأبنائهم؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة الآن، وهذا بالضبط ما يجعلها خطيرة. فمستقبل هذا الجيل لا تحدده الحرب وحدها، بل تحدده أيضًا كيفية تعامل العالم معه بعد الحرب.

هناك طريقان أمام هذا الجيل

الطريق الأول هو أن نترك الطفل يحمل الحرب داخله: بلا علاج نفسي، وبلا تعليم مستقر، وبلا إعادة تأهيل، وبلا فرص عمل، وبلا أمل، ثم نتساءل بعد عشرين عامًا: لماذا أصبح غاضبًا؟ لماذا فقد ثقته بالآخرين؟ لماذا لا يستطيع بناء علاقة مستقرة؟ لماذا لا يرى المستقبل؟

سيكون ذلك خطأً أخلاقيًا وسياسيًا وتاريخيًا.

أما الطريق الثاني فهو أن يتحول هذا الجيل من جيل الحرب إلى جيل إعادة البناء؛ أن نمنحه التعليم والعلاج النفسي والتأهيل الجسدي والفن والرياضة والعمل والجامعة والمسكن والأمان، والأهم من ذلك كله أن نعطيه سببًا ليصدق أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس.

هل يمكن للطفل أن يسامح الحياة؟

ربما. لكن الإنسان لا يستطيع أن يُطلب منه أن ينسى.

والهدف ليس أن نطلب من أطفال غزة أن ينسوا ما حدث، بل أن نساعدهم على ألا يصبح ما حدث هو الشيء الوحيد الذي يحدد شخصياتهم.

هناك فرق هائل بين أن تقول للطفل: “انسَ الحرب”، وأن تقول له: “عشت الحرب.. لكن الحرب ليست كل حياتك.”

أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب

الحرب لا تقتل الذين يموتون فقط. الحرب تستطيع أن تمتد إلى الذين بقوا أحياء.

تدخل إلى الذاكرة، وإلى الزواج، وإلى الأسرة، وإلى التربية، وإلى علاقة الإنسان بنفسه وبالآخر. وقد تنتقل آثارها من الأب إلى الابن دون أن يكون الابن قد عاش الحرب نفسها.

ولهذا فإن خسائر غزة الحقيقية لن تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار. قد تنتهي الحرب عسكريًا، لكن آثارها النفسية والاجتماعية يمكن أن تستمر عقودًا.

وتقول اليونيسف إن ما يقرب من مليون طفل في غزة تعرضوا لتجارب صادمة، من القصف والنزوح وفقدان أفراد الأسرة والبيت والمدرسة وأماكن اللعب، محذرة من أن آثار هذه التجارب قد تمتد طوال الحياة.

هؤلاء ليسوا أرقامًا

حين نقول: 21 ألف طفل قُتلوا، و44 ألف طفل أُصيبوا، وآلاف فقدوا أطرافهم، فإننا نتحدث عن أرقام ضرورية لفهم حجم الكارثة. لكن الرقم لا يخبرنا عن الطفل الذي كان يحب كرة القدم، ولا عن الفتاة التي كانت تريد أن تصبح طبيبة، ولا عن الطفل الذي كان يحلم بدراجة، ولا عن آخر كان يريد أن يصبح مهندسًا.

الرقم يخبرنا كم ماتوا، لكن السؤال الإنساني الأكبر هو: كم حلمًا مات معهم؟

والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا هو: كم حلمًا يمكن إنقاذه ممن بقوا؟

الصورة التي يجب ألا ننساها

في هذه الصورة، طفل يرفع يده بعلامة النصر. قد يبدو لنا أنه ينتصر على الحرب، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. هو يعلن فقط أنه ما زال هنا.

ما زال حيًا. ما زال يضحك. ما زال قادرًا على الوقوف فوق لوح خشبي. وما زال لديه أصدقاء يرفعونه.

وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي يجب أن نبني عليها المستقبل.

لأن المعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون فقط: من أعاد بناء غزة؟ بل: من أعاد بناء الإنسان الغزي؟

من أعاد لهذا الطفل ثقته بنفسه؟ من أعاد له المدرسة؟ من أعاد له ساقه إن أمكن؟ من عالج قلبه إن انكسر؟ ومن أقنعه بأن الزواج ليس مستحيلًا، وأن الإنجاب ليس جريمة في حق أطفال المستقبل، وأن الحياة ليست استمرارًا للحرب؟

من أقنع الطفل الذي رأى الموت بأنه يستطيع، رغم كل شيء، أن يتعلم كيف يصنع الحياة؟

وأخيرًا..

ربما يكون السؤال الأكبر الذي يجب أن يواجه العالم: إذا كانت الحرب قد أخذت من أطفال غزة طفولتهم.. فمن سيعيد إليهم مستقبلهم؟

لأن بناء غزة من الخرسانة قد يستغرق سنوات، أما إعادة بناء الإنسان فقد تحتاج إلى جيل كامل.

وإذا فشلنا في ذلك، فإن الحرب لن تكون قد قتلت آلاف الأطفال فقط، بل ستكون قد تركت وراءها ملايين الجروح التي تمشي على قدمين.

وهنا تكون المأساة الأكبر:

لن ينتهي القصف.. ولا تنتهي الحرب داخل الإنسان.

 


 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى