خناقة الشعراء: حين تتحول القصيدة من رحابة المعنى إلى ضيق الحزب؟

لم تكن المعارك النقدية في تاريخنا الأدبي يوماً دفاعاً عن جماليات النص، قدر ما كانت دفاعاً عن “الأسوار” و”الأقفاص” ، فمن تقنينات عمود الشعر، إلى حروب التفعيلة وقصيدة النثر، ظل المشهد العربي أسيراً لثنائية القالب واللافتة، فكيف تحولت القصيدة من فضاء إنساني رحب إلى متراس حزبي تُدار فيه الخصومات الوهمية؟ وكيف نجا من هذه المحرقة من اكتفى بشرف التجربة لا بلقب المؤسسة

بقلم : على مقلد
بحكم دراستي لسنوات طوال للشعر وتخصصي النقدي لاحقاً، تسنى لي أن أقرأ التراث الشعري العربي قديمه وحديثه، رصينه ووهينه، ففي مرحلة الصبا وبحكم المناهج الدراسية، كنت منحازاً بفطرة المقلد إلى الشعر العمودي؛ إذ كان المحور الذي تدور في فلكه مداركنا الأولى.
لكن، مع اتساع القراءة وانفتاح الوعي على تجارب مغايرة – كتفعيلة الشعر الحر وقصيدة النثر – حدث انقلاب وجداني جعلني أميل إلى هذه الأشكال الجديدة، بل وأسخر ممّا ألفتُه سابقاً.
غير أن النضج المعرفي الحقيقي لا يستقر عند حدود ردود الأفعال العكسية؛ فحين تتسع المدارك وتتشعب المدارس الفنية، تستقر الروح على برّ الأمان، وهنالك أضاءت في نفسي قاعدة أراها اليوم هي المعيار الحق: “الكلمة وجودتها هما الفيصل”، فلم يعد مهمّاً مَنْ كتب، ولا تحت أي لافتة أدبية اصطف، بل صار الشغل الشاغل هو: ماذا كُتب؟
تاريخ طويل من “الخصومات الوهمية”
إن ما نشهده اليوم من صراعات، وما يحلو لنا وصفه بـ “خناقة الشعراء”، ليس سوى امتدادٍ تاريخي لعقدة الأطر واللافتات التي ابتلي بها التراث النقدي العربي. فعلى مدار التاريخ الأدبي، انشغل النقاد واللغويون بـ “عمود الشعر” وتقنيناته، ودخلوا في معارك طاحنة لتجريم أي خروج على المألوف العروضي أو الدلالي، متجاهلين أن الشعر في جوهره طاقة روحية متجددة لا تقبل التحنيط.
وحين بزغت ثورة الشعر الحر في منتصف القرن العشرين مع رموز مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور، واجهتها المؤسسة المحافظة بذات العنف والرفض التخندقي، معتبرة إياها مروقاً عن عروبة القصيدة، ولم تقتصر المعارك على الشكل فحسب، بل امتدت مع تجليات الحداثة الجذرية التي قادها أدونيس ومجلة “شعر”، لتشتعل حرب طحنت الحدود بين الفني والأيديولوجي.
وحين وقف عمالقة كـ محمود درويش وأمل دنقل في قلب المشهد، طاردتهم صراعات التلقي؛ فبين من اتهم درويش أحياناً بـ “شعرية الشعار” سجنًا له في أسر القضية، وبين رفع أمل دنقل راية الرفض المطلق محولاً القصيدة إلى ملحمة موقف، تناوشتهما أقلام المحافظين وحراس القوالب الجاهزة.
ومع ذيوع قصيدة النثر لاحقاً، تكرر المشهد ذاته؛ فتحولت الساحة الأدبية من فضاء للجمال إلى ساحة نزاع بين أحزاب متقاطعة، كلٌّ يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويسعى لإلغاء الآخر مستنداً إلى “سلطة القالب”.
بين الفراهيدي وتعددية التجربة
لقد خضت – شخصياً – التجربة بأطيافها؛ فكتبت الشعر العمودي وأزعم أنني أجيد الغوص في بحور الفراهيدي وأسرارها، وكتبت التفعيلة وأجدت إيقاعاتها، وكتبت النثر وأحببت فضاءاته الرحبة.
ومن منطلق هذا التحرر الفني، أكرر دائماً مقولتي التي لا أحيد عنها: أنا لست بشاعر، بل “هاوٍ” يكتب ما يعنّ له، وحسب الهاوي شرفُ التجربة وحرية الخلوص إلى الجوهر بلا قيود اللقب المؤسسي.
إن الشاعر الحقيقي يدرك أن الخليل بن أحمد الفراهيدي نفسه لم يضع بحوره بوصفها “أقفاصاً” أبدية، بل وضعها كاستقرائه لواقع إيقاعي عربي مرن، فالتجديد لا يعني هدم التراث، بل تجاوزه نحو فضاءات أرحب.
سلطة المعنى وسقوط “الشَّلليّة”
إن التخندق في أحزاب شعرية يرتسِم فيها كل فريق حول مدوّنته قد أفسد الذائقة العامة وأفرغ النقد من مضمونه الموضوعي، فتاريخ النقد يعلمنا أن النصوص الكبرى تعيش ببقائها لا بانتماء أصحابها؛ فالشعر إن لم يُضف معنىً جديداً، ويصنع صورة بلاغية مبتكرة، ويفتح أفقاً دلالياً غير مسبوق، فليس سوى فضفضة ذاتية لا تخص سوى صاحبها.
وحين نتأمل المشهد الثقافي بموضوعية، يتكشف لنا زيف الكثير من الظواهر المعاصرة؛ فدع عنك ضجيج الشهرة وبريقها الزائف، إذ كثيراً ما كانت “الشهرة” ثمرةً لقوة “الشَّلليّة” وشبكات العلاقات لا لقوة المُنتج الإبداعي، وغالباً ما تخضع الجوائز الأدبية لحسابات أيديولوجية وشخصية تبتعد مسافات شاسعة عن معيار العمل الفني الخالص والجودة المجردة.
في النهايات، لا يستمد الشعر شرعيته من تاريخية القالب ولا من حداثة الثورة عليه، بل يستمِدّ بقاءه من كلمته، ومراميها، ومضمونها، وبلاغتها العميقة، بغض النظر عن المدرسة التي ينتمي إليها أو السور الذي وُضع تحته.
وحين يدرك الناقد المتجرد هذه الحقيقة، تسقط الحواجز الوهمية، ولا يبقى في ساحة الإبداع إلا النص الحي الذي يخاطب الروح الإنسانية؛ فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.