الشريعة ليست خصمًا للقانون.. والقانون لا ينبغي أن يكون خصمًا للشريعة

حين يتحول قانون الأسرة إلى معركة بين الرجل والمرأة

القانون يحتاج إلى إصلاح.. لا إلى حرب بين الرجال والنساء

رؤية وتحليل: علي خليل

ليست القضية أن ننتصر للرجل على المرأة، ولا أن ننتصر للمرأة على الرجل.

القضية أخطر من ذلك بكثير.

إنها قضية مجتمع كامل بدأ يدفع ثمن اضطراب منظومة الأسرة، وثمن قوانين تحتاج إلى مراجعة مستمرة حتى تظل قادرة على تحقيق العدالة وحماية الأسرة والطفل، ومتسقة مع الدستور والقيم الدينية والأخلاقية والثقافية للمجتمع المصري.

ولهذا فإن تعديل قوانين الأحوال الشخصية لم يعد ترفًا تشريعيًا، ولا معركة انتخابية، ولا قضية تخص الرجال أو النساء وحدهم.

إنه ملف يتعلق بالأمن الاجتماعي للمجتمع كله.

لا بد من مراجعة قانون الأسرة

القانون ليس نصًا مقدسًا.

القانون الذي يضعه البشر يمكن مراجعته وتطويره عندما تكشف التجربة العملية عن ثغرات أو آثار غير مقصودة.

وهذا لا يعني أن كل ما يطالب به الرجال صحيح، ولا أن كل ما تطالب به النساء صحيح.

بل يعني أن المشرع مطالب بأن ينظر إلى الصورة كاملة:

الزوج.. الزوجة.. الطفل.. الأسرة.. المجتمع.. والمرجعية الدستورية والدينية والثقافية للدولة.

ومن هنا تصبح مراجعة قوانين الأسرة ضرورة حقيقية.

ليس للعودة إلى الوراء، وإنما لمنع استمرار الخلل.

والخلع يحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول

هنا تحديدًا يجب أن نبتعد عن الشعارات.

فالخلع ليس اختراعًا خارج الشريعة الإسلامية؛ أصل الخلع معروف في الفقه الإسلامي، وهناك اختلاف فقهي معتبر في تكييف الفرقة الواقعة به: هل هي طلاق أم فسخ، وقد أخذ القانون المصري برأي الجمهور في اعتبار الخلع طلاقًا بائنًا فى حالة تواجد الزوج .

لكن وجود أصل شرعي للخلع لا يعني أن كل صيغة تشريعية أو إجرائية لتطبيقه فوق النقاش والمراجعة.

وهنا السؤال الذي يجب أن يطرحه المشرع:

هل تحقق إجراءات الخلع الحالية التوازن الكامل بين حق المرأة في الخلاص من زواج يستحيل عليها الاستمرار فيه، وحق الرجل في ألا يتحول إنهاء الزواج إلى إجراء أحادي بلا ضمانات كافية؟

هذا سؤال مشروع.

بل هو سؤال ضروري.

هل القاضي يطلق بدلًا من الزوج؟

المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.

في الفقه والقانون المصري توجد حالات يكون فيها التفريق بحكم القاضي مشروعًا، وقد أخذ المشرع المصري في بعض صور التطليق بالمذهب المالكي، ومنها التطليق للضرر. ودار الإفتاء المصرية توضح أن الأصل أن حل عقدة النكاح بيد الزوج، لكن القانون أعطى القاضي في حالات معينة سلطة التطليق عند تحقق شروطها.

أما الخلع، فليس مجرد أن يجلس القاضي من تلقاء نفسه فيقرر إنهاء الزواج؛ فالخلع يبدأ بطلب الزوجة، ودار الإفتاء نفسها قررت أن حكم القاضي بالخلع فرع عن طلب الزوجة، وأنه إذا تنازلت عن الدعوى قبل صدور الحكم فلا محل للحكم به.

إذن القضية ليست:

«القاضي طلق المرأة من تلقاء نفسه».

بل القضية الأعمق:

هل الآلية القضائية القائمة تحقق بالفعل التوازن الذي ينبغي أن تقوم عليه مؤسسة الزواج؟

وهنا يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي.

الشريعة ليست خصمًا للقانون.. والقانون لا ينبغي أن يكون خصمًا للشريعة

 الطلاق لا يملكه إلا الزوج، وأن الخلع في صورته الأصلية يقوم على طلب الزوجة وموافقة الزوج مقابل عوض ترده إليه، وبالتالي لا يصح للقاضي أن ينوب عن الزوج في إيقاع الطلاق إذا كان الزوج رافضًا للخلع.

الرأي المانع من الخلع دون رضا الزوج

تمسك فريق آخر من أهل العلم بأن الخلع الذي يتم دون موافقة الزوج ودون صدور لفظ الطلاق منه لا يصح، لأن الأصل عندهم أن الطلاق من حقوق الزوج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة امرأة ثابت بن قيس لم يطلقها بنفسه، وإنما طلب من الزوج أن يقبل العوض وأن يوقع الطلاق.

وبناءً على هذا الرأي، فإن الحكم القضائي الذي يطلق عليه اسم «الخلع» لا يكون خلعًا شرعيًا إذا لم يرض الزوج ولم يصدر منه الطلاق، وتظل الزوجة في ذمته من الناحية الشرعية وفق هذا الاتجاه، إلا إذا تحقق سبب آخر مستقل يجي للقاضي التفريق بين الزوجين.

قصة امرأة ثابت بن قيس أساس مشروعية الخلع

استند القائلون بصحة الخلع إلى الحديث الصحيح الوارد في قصة امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه، عندما جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بأنها لا تعيب على زوجها خلقًا ولا دينًا، لكنها لا تستطيع الاستمرار معه، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كانت سترد عليه حديقته التي أعطاها لها، فلما أجابت بالموافقة، قال لثابت: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، وهو الحديث الذي رواه البخاري.

المجتمع المصري ليس مجتمعًا بلا هوية.

ولذلك فإن أي تشريع يمس الأسرة يجب أن يراعي الدستور والقانون، وفي الوقت نفسه المرجعية الدينية والشرعية والقيم الأخلاقية والاجتماعية الراسخة في المجتمع.

وفي مجتمع يضم مسلمين ومسيحيين، فإن احترام الخصوصية الدينية لا يعني فرض تصور ديني واحد على الجميع، بل يعني أن التشريع الأسري ينبغي أن يكون شديد الحساسية تجاه المرجعيات الدينية المختلفة وأحكامها الخاصة، وألا يتحول القانون إلى أداة لهدم القيم التي يقوم عليها المجتمع.

فالمشكلة ليست في تطوير القانون.

المشكلة في التطوير المنفصل عن المجتمع.

لا يمكن استيراد قوانين الأسرة كما نستورد السلع

هذه نقطة شديدة الأهمية.

ليس كل ما يصلح لمجتمع غربي يصلح بالضرورة للمجتمع المصري.

وليس كل ما تتضمنه اتفاقية دولية يجب أن يتحول تلقائيًا إلى نص قانوني دون مناقشة آثاره على بنية الأسرة المصرية.

نحن لا ندعو إلى الانغلاق على العالم.

بل ندعو إلى شيء أكثر عقلانية:

أن نأخذ من العالم ما يناسبنا، وأن نرفض ما يتعارض مع ثوابت مجتمعنا وقيمه الدينية والأخلاقية، وأن نطور حلولنا بأدواتنا نحن.

فالأسرة المصرية ليست نسخة من الأسرة الأوروبية أو الأمريكية.

ولها تاريخها وثقافتها ودينها وتركيبتها الاجتماعية.

اتفاقية «سيداو» ليست فوق النقاش

وهنا أيضًا يجب أن يكون الخطاب هادئًا.

يمكن لمصر أن تلتزم بالاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها، لكن ذلك لا يمنع المجتمع والدولة من مناقشة التحفظات والتطبيقات والتشريعات الوطنية الناتجة عنها.

والقضية ليست أن نقول:

«نرفض كل شيء يأتي من الخارج».

ولا أن نقول:

«نقبل كل شيء لأنه دولي».

القضية:

أين مصلحة الأسرة المصرية؟

وأين مصلحة الطفل؟

وأين العدالة؟

وأين التوازن بين الحقوق والواجبات؟

لأن تفكيك الأسرة لا يتوقف عند باب المحكمة

وهنا نصل إلى أخطر ما في القضية.

عندما تزداد النزاعات الزوجية، لا ينتهي الأمر بمجرد صدور حكم.

هناك أطفال.

وهناك أب وأم.

وهناك عائلات ممتدة.

وهناك أجيال جديدة تتشكل داخل بيئة مليئة بالصراع.

وعندما يتحول الطلاق إلى حرب، والحضانة إلى سلاح، والرؤية إلى عقوبة، والنفقة إلى أداة ضغط، والدعاوى إلى وسيلة انتقام، فإن المجتمع كله يدفع الثمن.

الطفل الذي ينشأ في بيئة صراع دائم قد يحمل آثار هذا الصراع إلى حياته المستقبلية.

ومن هنا فإن قضية الأسرة ليست قضية «حريات شخصية» بالمعنى الضيق فقط.

إنها قضية استقرار اجتماعي.

ومن الأسرة تبدأ سلسلة طويلة من المشكلات

لا يمكن تحميل قوانين الأسرة وحدها مسؤولية الجريمة أو التفكك الاجتماعي.

لكن من الخطأ أيضًا تجاهل أن اضطراب الأسرة أحد العوامل التي يمكن أن تزيد هشاشة البيئة التي ينشأ فيها الطفل والمراهق.

وعندما تجتمع مشكلات التفكك الأسري مع الفقر والبطالة والإدمان والعنف والتسرب من التعليم وضعف الرقابة الأسرية، يمكن أن تتسع دوائر الخطر الاجتماعي.

ولهذا يجب ألا نتعامل مع قانون الأسرة باعتباره مجرد ملف قضائي.

إنه جزء من منظومة الأمن الاجتماعي والإنساني للدولة.

ولكن.. لا تجعلوا الرجل ضحية دائمة

كما نرفض اتهام المرأة بأنها «ناقصة» أو «فاشلة» لمجرد أنها طلبت الخلع، يجب أيضًا أن نرفض الصورة المقابلة التي تجعل كل رجل متهمًا لمجرد أنه رجل.

هناك رجال يتعرضون لظلم حقيقي.

وهناك آباء يريدون رؤية أبنائهم.

وهناك آباء يدفعون النفقة ويريدون أن يمارسوا دورهم الطبيعي في التربية.

وهناك نساء يتعرضن للعنف والإهمال والظلم.

وهناك نساء يتحملن مسؤولية أسرهن كاملة.

الحقيقة ليست ذكرًا أو أنثى.

الحقيقة عدالة.

الأسرة تحتاج إلى قانون يردع الاستغلال من الطرفين

القانون العادل يجب أن يمنع الرجل من استخدام قوته أو أمواله أو الأطفال لإذلال زوجته.

وفي الوقت نفسه يجب أن يمنع المرأة من استخدام الحضانة أو الرؤية أو الدعاوى القضائية للانتقام من الزوج.

يجب أن يحمي الطفل من الأب المؤذي.

ويحميه أيضًا من الأم التي تمنع الأب الصالح من ممارسة أبوته.

ويجب أن يجعل النفقة حقًا يصل إلى مستحقه بسرعة.

وأن يجعل الرؤية والاستضافة حقًا منظمًا لا يتحول إلى معركة.

وأن يجعل الفصل في المنازعات الأسرية سريعًا ومتخصصًا.

هذا هو الإصلاح الحقيقي.

لا نريد قانونًا للرجال.. ولا قانونًا للنساء

نريد قانونًا للأسرة.

وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط الصراخ.

إن أخطر شيء يمكن أن يحدث في ملف قانون الأسرة هو أن تتحول الدولة إلى حكم في حرب اجتماعية بين الرجال والنساء.

الدولة ليست طرفًا في هذه الحرب.

الدولة مطالبة بأن تمنع الحرب أصلًا.

وماذا عن المسيحيين؟

أي إصلاح حقيقي لقوانين الأحوال الشخصية يجب أن يراعي كذلك الخصوصية الدينية للمسيحيين المصريين، لأن الزواج والأسرة في المسيحية لهما مرجعيات دينية وقواعد خاصة.

وهنا أيضًا لا يجوز فرض نموذج واحد على الجميع.

الدولة العادلة هي التي تحترم الدين ولا تستخدمه أداة للصراع، وتحترم القانون ولا تجعله أداة لهدم القيم.

مصر لا تحتمل تفكيكًا اجتماعيًا جديدًا

نحن نعيش أصلًا في زمن شديد الضغط.

اقتصاد مضغوط.

أسرة تواجه أعباء متزايدة.

شباب يتأخرون في الزواج.

أطفال يحتاجون إلى الاستقرار.

ومجتمع يواجه تحديات أمنية واجتماعية وثقافية متلاحقة.

في مثل هذه الظروف لا يجوز أن تتحول قوانين الأسرة إلى وقود لصراع دائم بين نصف المجتمع ونصفه الآخر.

لأن المجتمع الذي يتحول فيه الرجل والمرأة إلى خصمين دائمين، يهدد نفسه بنفسه.

الرسالة الأخيرة

نعم..

نحتاج إلى تعديل ومراجعة حقيقية لقوانين الأسرة.

لكن ليس لإلغاء حقوق المرأة.

وليس لإلغاء حقوق الرجل.

وليس لإرضاء حزب أو جماعة أو تيار.

بل لإعادة بناء التوازن.

نحتاج قانونًا يستند إلى الدستور، ويحترم المرجعيات الدينية، ويأخذ من الفقه الإسلامي ما يحقق مقاصد العدالة، ويراعي الخصوصية المسيحية، ويستفيد من التجارب الدولية دون أن يستنسخها، ويضع الطفل في قلب التشريع.

والأهم:

لا يجوز أن تتحول الأسرة المصرية إلى حقل تجارب تشريعية.

فالخطأ في قانون الضرائب يمكن إصلاحه بتعديل مادة.

والخطأ في قانون المرور يمكن إصلاحه بتغيير إجراء.

لكن الخطأ في قانون الأسرة قد ينتقل من ورقة في المحكمة إلى طفل، ثم إلى أسرة، ثم إلى جيل كامل.

ولهذا فإن إصلاح قوانين الأسرة ليس معركة بين الرجل والمرأة.

إنه معركة من أجل بقاء الأسرة المصرية متماسكة، ومن أجل مجتمع لا يتحول فيه الزواج والطلاق والحضانة إلى أدوات لصراع اجتماعي دائم.

نريد قانونًا لا ينتصر للرجل على المرأة، ولا للمرأة على الرجل.. وإنما ينتصر للعدل، وللطفل، وللأسرة، وللمجتمع.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى