عندما يُكافأ الغش ويُعاقَب الاجتهاد.. أين ذهبت عدالة التعليم؟ … المصري أمام بوابة الجامعة.. هل الفرصة حق أم استثناء؟

اعداد : على خليل

«المجتهد ينتظر.. والغشاش يعبر» .. عندما يصبح الغش طريقًا، تضيع عدالة التعليم

الموضوع الذي تطرحه يتجاوز بكثير مجرد أزمة امتحانات أو مشكلة تنسيق جامعي. إذا جرى تناوله صحفيًا، فهو يصلح لقضية رأي عام كبيرة؛ لأن القضيتين تلتقيان عند سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يشعر الطالب والأسرة أن قواعد التعليم نفسها لم تعد تحقق العدالة؟

الأخطر أن الغش، عندما يتحول من مخالفة فردية إلى ظاهرة يتقبلها بعض أولياء الأمور والطلاب، لا يفسد الامتحان فقط؛ بل يضرب معنى الاجتهاد والاستحقاق والثقة في الشهادة. ومع الوقت قد يتكون لدى الطالب تصور خطير بأن الطريق إلى النجاح ليس بالضرورة العلم والعمل، وإنما القدرة على تجاوز القواعد أو الاستفادة من ثغراتها.

أما القضية الثانية، المتعلقة بالمصري الحاصل على شهادة من الخارج، فهي تحتاج إلى تحقيق قانوني وتعليمي دقيق قبل إطلاق الحكم؛ لأن هناك قواعد مختلفة لقبول الشهادات الأجنبية، ونِسَبًا وشروطًا للتنسيق، وقد توجد حالات يكون فيها قبول الطالب غير المصري مرتبطًا بقواعد مختلفة عن قواعد قبول المصريين. لكن إذا ثبت بالفعل وجود حالة يكون فيها مصري حاصل على شهادة معترف بها وبمجموع أعلى، ثم يُحرم من فرصة جامعية متاحة لغير مصري حاصل على الشهادة نفسها وبمجموع أقل، فهنا تظهر مسألة تستحق النقاش العام حول المساواة والشفافية وعدالة قواعد القبول.

والجامع بين القضيتين في رأيي الصحفي ليس «الغش» وحده ولا «التنسيق» وحده،

وإنما أزمة الثقة في منظومة التعليم.

ليس أخطر ما يحدث في التعليم المصري أن طالبًا يغش في امتحان، ولا أن أسرة تبحث عن وسيلة تضمن لابنها النجاح، ولا حتى أن قواعد التنسيق الجامعي تثير اعتراضات بين الحين والآخر. الأخطر هو أن تتراكم هذه الوقائع حتى يشعر الطالب وولي الأمر بأن العدالة نفسها أصبحت سؤالًا بلا إجابة.

عندما يصبح الغش في الامتحان أمرًا يتسامح معه البعض، بل يصل الأمر إلى أن يباركه بعض أولياء الأمور باعتباره وسيلة لإنقاذ مستقبل أبنائهم، فإن المشكلة لم تعد في ورقة الأسئلة أو في المراقب الذي لم يمنع المخالفة. نحن أمام خلل أعمق يمس معنى التعليم ذاته. فالامتحان في أي دولة ليس مجرد وسيلة لمنح درجات، وإنما هو اختبار لفكرة الاستحقاق: من اجتهد وتعلم يحصل على ثمرة اجتهاده، ومن لم يجتهد لا يستطيع أن يحصل على النتيجة نفسها بالوسيلة ذاتها.

وحين تنهار هذه القاعدة، لا يخسر الطالب المجتهد وحده، وإنما تخسر الدولة جزءًا من ثقة أبنائها فيها.

الأمر نفسه يظهر بصورة مختلفة في قضية الطلاب المصريين الذين يدرسون في الخارج ثم يعودون إلى وطنهم حاملين شهادات معترفًا بها، ليجد بعضهم أن الطريق إلى الجامعة المصرية تحكمه قواعد قد تؤدي، في حالات معينة، إلى نتائج تبدو لهم غير مفهومة أو غير عادلة، خصوصًا إذا رأى الطالب أن طالبًا غير مصري يحمل الشهادة نفسها، وبمجموع أقل، استطاع الحصول على فرصة جامعية بينما لم يحصل هو عليها.

هنا لا يعود السؤال متعلقًا بمقعد جامعي فقط. إنه سؤال عن علاقة المواطن بدولته:

هل يفهم المواطن القاعدة؟

وهل يستطيع الوصول إلى أسبابها؟

وهل يطمئن إلى أنها تطبق على الجميع وفق معيار واضح ومعلن؟

وهل يشعر الطالب المصري الذي دفع هو وأسرته ثمن تعليمه، ثم عاد إلى بلده، أن الدولة تفتح له الطريق أم تضع أمامه حواجز لا يفهمها؟

ومن الخطأ أن نتعامل مع هذه المشاعر باعتبارها مجرد غضب عابر من طالب أو ولي أمر. فالشعور بالظلم في سنوات التعليم المبكرة يمكن أن يترك أثرًا طويلًا في علاقة الإنسان بمؤسسات بلده. الطالب الذي يرى الغش ينجح، والمجتهد يتأخر، والقواعد تتغير أو تبدو غامضة، قد يتعلم درسًا أخطر من أي درس موجود في الكتب: أن القانون ليس دائمًا الطريق الأقصر إلى النجاح.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تقلق الدولة.

فالدولة لا تبني نهضتها بالمناهج وحدها، ولا بعدد المدارس والجامعات فقط. إنها تبنيها أيضًا من خلال إحساس المواطن بأن جهده له قيمة، وأن القواعد مفهومة، وأن الاستحقاق يُكافأ، وأن الخطأ يُحاسب عليه صاحبه، وأن أبناءها لا يحتاجون إلى البحث عن طريق ملتف حتى يحصلوا على حقهم.

لذلك فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يبدأ فقط بتغيير المناهج أو تطوير الامتحانات. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة بناء العلاقة بين الطالب والمدرسة والأسرة والجامعة والدولة على أساس واحد: العدالة.

الطالب يجب أن يعرف أن الدرجة تعكس ما تعلمه، لا ما استطاع الحصول عليه بالغش. وولي الأمر يجب أن يقتنع بأن حماية ابنه من الفشل بالغش قد تعني في الحقيقة تعريضه لفشل أكبر في المستقبل. والجامعة يجب أن تشرح قواعد القبول بشفافية تجعل الطالب يفهم لماذا قُبل هذا ولم يُقبل ذاك. والدولة يجب أن تراجع أي قاعدة ينتج عنها شعور مستمر بالتمييز أو عدم الإنصاف، وأن تفسر للناس منطقها وأهدافها بدل أن تترك الفراغ للمعلومات المتداولة والغضب.

إن القضية في النهاية ليست قضية امتحان ولا تنسيق.

إنها قضية أعمق:

أي مواطن نريد أن نخرجه من المدرسة المصرية؟

مواطنًا يتعلم أن الاجتهاد طريقه، وأن القانون يحمي حقه، وأن الدولة عادلة في قواعدها؟

أم مواطنًا يتعلم منذ طفولته أن النجاح يمكن أن يأتي بالغش، وأن القواعد يمكن الالتفاف حولها، وأن الحصول على الحق يحتاج أحيانًا إلى البحث عن منفذ خارج القاعدة؟

الفارق بين النموذجين ليس فارقًا تعليميًا فقط.

إنه فارق في بناء الدولة نفسها.

أما المقارنة الدولية، فلدينا أمثلة واضحة: في كوريا الجنوبية أعلنت وزارة التعليم أن عدد حالات الغش في امتحان القبول الجامعي لعام سابق بلغ 208 حالات، مع منظومة صارمة لمنع الأجهزة الإلكترونية وغيرها. وفي سنغافورة تنص قواعد الاختبارات على إلغاء الاختبار، والمنع من اختبارات لاحقة، وإحالة بعض صور الغش إلى الشرطة. واليابان لديها منذ سنوات أبحاث وإجراءات رسمية متخصصة لمواجهة الغش الإلكتروني في اختبارات القبول.

المقارنة بالأرقام بحيث تكون قوية ولكن عادلة؛ لأن أرقام الدول ليست قابلة للمقارنة مباشرة ما لم تكن أعداد المتقدمين وسنة القياس متطابقة.

الدولة الرقم المعلن حجم الاختبار/السياق أسلوب المواجهة
مصر 1,061 طالبًا خضعت مخالفاتهم للتحقيق في الثانوية العامة 2024، وأُحيل 425 للنيابة في وقائع غش وفق الإحصاء المنشور وقتها نحو 729 ألف حاضر في امتحانات 2025، للمقارنة الحجمية فقط إلغاء امتحانات، حرمان، إحالة للنيابة، تفتيش إلكتروني وكاميرات
كوريا الجنوبية 208 حالات غش في اختبار CSAT لعام 2022 اختبار قبول جامعي وطني إلغاء النتيجة، منع الأجهزة الإلكترونية، وضوابط تفصيلية للمخالفات
سنغافورة لا تنشر الوثيقة رقمًا إجماليًا مماثلًا اختبارات قبول الطلاب الأجانب AEIS/S-AEIS إلغاء الاختبار، منع دخول اختبارات لاحقة، وسحب القبول؛ وبعض صور انتحال الشخصية والتواطؤ تُحال للشرطة
اليابان لا يظهر في المصدر الرسمي رقم وطني موحد يمكن مقارنته بمصر وكوريا اختبارات القبول الجامعي تحقيقات متخصصة في الغش الإلكتروني، خصوصًا الهواتف والسماعات والكاميرات، وتطوير وسائل كشف ومنع المخالفات

والرقم المصري يحتاج إلى قراءة مهمة: رقم 1,061 لا يعني أن 1,061 حالة غش مؤكدة؛ فهو عدد الطلاب الذين شملتهم التحقيقات في مخالفات امتحانات 2024، بينما الرقم المنشور لطلاب أُحيلوا للنيابة بسبب الغش بلغ 425.

ويمكن وضعها في الكتاب بهذه الصياغة المختصرة:

المقارنة الدولية تكشف أن المشكلة ليست في غياب العقوبة وحدها، وإنما في قدرة الدولة على منع المخالفة واكتشافها وردعها. ففي كوريا الجنوبية سجل اختبار القبول الجامعي 208 حالات مخالفة في عام 2022، بينما شهدت الثانوية العامة المصرية في 2024 التحقيق مع 1,061 طالبًا في مخالفات امتحانية، وأحيل 425 منهم إلى النيابة وفق البيانات المنشورة. أما سنغافورة فتربط بعض صور الغش بإلغاء الاختبار والمنع من اختبارات لاحقة، بل وإبلاغ الشرطة في حالات انتحال الشخصية والتواطؤ، بينما تتعامل اليابان مع الغش الإلكتروني باعتباره مشكلة تقنية متطورة تستدعي البحث المستمر في وسائل الكشف والمنع.

والفارق الأهم أن الدول التي تحمي نزاهة الامتحان لا تنتظر الغشاش عند نهاية الطريق؛ بل تصمم الطريق نفسه بحيث يصبح الغش أصعب، واكتشافه أسرع، وعقوبته أكثر يقينًا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى