الوجه الخفي لحرب إيران وإسرائيل، معركةٌعلى النّفط، الدّولار، والنّظام الماليّ العالميّ!!!

بقلم : ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
قد لا تكون الحرب على إيران مجرد حربٍ جديدة في الشرق الأوسط، بل قد تكون واحدة من تلك الحروب التي تُعيد رسم الخريطة السياسية والاستراتيجية للعالم.
فبعد نحو سبعة أشهر من المواجهة، لم يعد السؤال فقط، من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأعمق..هل تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل الاستمرار في إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التي اعتاداها طوال العقود الماضية؟
المشهد الحالي يقول إن الحرب لم تُحسم. فالولايات المتحدة وإيران ما زالتا تتبادلان التهديدات، ومضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية ضخمة، فيما ارتفع سعر برميل برنت إلى أكثر من 105 دولارات وسط استمرار اضطراب الملاحة. وفي المقابل، ما زالت قنوات التفاوض مفتوحة، وقدمت طهران عبر وسطاء مقترحاً لخارطة طريق من سبعة أيام لإعادة فتح المضيق ووقف الأعمال القتالية.
وهنا تكمن أهمية هذه الحرب.
“الاستعمار “الإسرائيلي لم يعد يستطيع أن يتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة يمكن حسمها بالقوة العسكرية وحدها.
والولايات المتحدة، مهما بقيت القوة العسكرية الأكبر، تواجه اختباراً مختلفاً، إلى أي حد تستطيع أن تتحمل حرباً طويلة ومكلفة، وأن تبقى في الوقت نفسه قادرة على إدارة أزمات أوروبا وآسيا والشرق الأوسط؟
الأخطر بالنسبة للنظام القديم هو أن دولاً إقليمية بدأت تفكر بطريقة مختلفة. فالسعودية وتركيا وباكستان تبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية، فيما تتزايد الدعوات إلى بناء قدرات لا تعتمد بالكامل على المظلة الأميركية. كما أن الصين وروسيا تتحركان دبلوماسياً للاستفادة من التحولات الجارية.
لكن علينا ألا نقع في الخطأ المقابل.
لن تنتهي الولايات المتحدة من حرب واحدة. ولن تختفي إسرائيل من المنطقة بسبب حرب واحدة.
الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قوة عسكرية واقتصادية ومالية هائلة، وشبكة تحالفات عالمية واسعة. وإسرائيل ما زالت تمتلك قدرات عسكرية متقدمة ودعماً أميركياً مهماً.
لكن الذي يمكن أن ينتهي هو شكل من أشكال الهيمنة.
قد تنتهي فكرة أن واشنطن تستطيع وحدها تحديد قواعد اللعبة، وأن إسرائيل تستطيع فرض معادلاتها العسكرية على كامل المنطقة من دون أثمان استراتيجية وسياسية متزايدة.
وقد تكون حرب إيران قد كشفت شيئاً بالغ الأهمية..
الشرق الأوسط لم يعد كما كان.
فمضيق هرمز، والطاقة، والصواريخ، والمسيّرات، والممرات البحرية، والتحالفات الإقليمية، كلها أصبحت أدوات قوة متداخلة. وحتى الولايات المتحدة نفسها تبحث عن بدائل استراتيجية لتقليل اعتمادها على هرمز، بما في ذلك مشاريع مع دول عربية لتطوير طرق بديلة لنقل الطاقة.
وهنا يدخل لبنان في قلب المعادلة.
لبنان لا يستطيع أن يبقى صندوق بريد بين إيران وأميركا، ولا ساحة مواجهة بين إسرائيل وإيران، ولا ورقة تستخدمها القوى الإقليمية عندما تبدأ المفاوضات.
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام قال للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن لبنان لا يريد أن يكون ساحة للحروب الإقليمية أو مكاناً لتبادل الرسائل بين الآخرين، مؤكداً أن لبنان دفع ثمناً كبيراً أمنياً واقتصادياً.
وهذه يجب أن تكون الرسالة اللبنانية الأساسية…إذا كان الشرق الأوسط يتغير، فعلى لبنان أن يتغير معه.
لا نريد لبنان تابعاً لواشنطن، ولا تابعاً لطهران، ولا تابعاً لتل أبيب، ولا تابعاً لأي عاصمة أخرى.
نريد لبنان دولة.
فربما لا تكون نهاية الإمبراطورية الأميركية قد بدأت، وربما لا تكون نهاية إسرائيل قد بدأت، لكن من الممكن جداً أن تكون نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة قد بدأت.
مرحلة كان فيها طرف واحد يضع القواعد، وأطراف أخرى تدفع الثمن.
أما المرحلة المقبلة فقد تكون أكثر تعقيداً، وأكثر تعدداً في مراكز القوة، وأكثر اعتماداً على التوازنات الإقليمية.
والسؤال الحقيقي ليس، من سيحكم الشرق الأوسط؟
بل هل يستطيع الشرق الأوسط أخيراً أن يحكم نفسه؟
وهنا، ستكون المعركة المقبلة سياسية ودبلوماسية واقتصادية بقدر ما كانت عسكرية.
فالامبراطوريات لا تنتهي دائماً بسقوط عسكري… أحياناً تبدأ نهايتها عندما تفقد قدرتها على فرض قواعدها على الآخرين…
الوجه الخفي لحرب إيران وإسرائيل، معركةٌ
على النّفط، الدّولار، والنّظام الماليّ العالميّ!!!
رغم ما يبدو في ظاهر الأمر أنّ الحرب بين إيران وإسرائيل تدور حول البرنامج النّووي أو دعم حركات المقاومة، إلا أنّ الحقيقة أكثر عمقًا وخطورة. إنها ليست مجرّد مواجهةٍ عسكريةٍ، بل حلقةٌ مركزيةٌ في معركةٍ عالميةٍ على مستقبل الاقتصاد والنّظام المالي الدّولي.
ألدّولار والنّفط وتحالف الهيمنة ، منذ سبعينيات القرن الماضي، نشأ ما يُعرف بـ نظام البترودولار، بعد اتّفاق أميركا مع السّعودية على أن يُباع النّفط حصراً بالدّولار.
بهذا الاتّفاق، تمكّنت الولايات المتّحدة من فرض هيمنة عملتها عالميًا، وجعلت من الدّولار العملة الإجبارية لأيّ دولةٍ تريد شراء الطّاقة أو التّجارة الدّولية.
كلّ من حاول كسر هذا النّظام كان مصيره مأساويًا منهم العراق “صدام حسين” أعلن بيع النّفط باليورو… فغزته واشنطن.
ليبيا “معمر القذافي” أرادت إطلاق عملةٍ ذهبيةٍ أفريقيةٍ… فتمّ تفتيتها.
واليوم جاء دور إيران.. وكسر احتكار الدّولار.
على مدى عقدين، خاضت إيران محاولةً جريئةً للتّحرر من هيمنة الدّولار، حين أطلقت بورصةً نفطيةً خاصّةً بها، وعقدت صفقاتٍ نفطيةً باليوان الصّيني والرّوبل الرّوسي والرّوبية الهندية، وبعدها أنشأت بنوكًا وشبكات تبادل لتجاوز نظام “سويفت” الغربي.
كلّ ذلك جعلها في نظر واشنطن “قوةً متمرّدةً على النّظام الماليّ القائم”، وليس فقط “تهديدًا نوويًا”.
ألصّين والرّقمنة هما العدو الاقتصادي القادم لأمريكا والغرب .. فالصّين الحليف الاستراتيجي لإيران دخلت المعركة من بوابةٍ جديدة،فأطلقت اليوان الرّقمي، وبدأت ببناء تحالفاتٍ اقتصاديةٍ واسعةٍ عبر طريق الحرير الجديد، وشجّعت على تسوية التّبادلات النّفطية بعيدًا عن الدّولار، مع روسيا وإيران وغيرهما.
هنا بدأ الغرب يشعر أنّ السّيطرة على العالم لم تعد عسكريةً فقط، بل باتت مهدّدةً في جوهرها الاقتصاديّ والماليّ.
ألولايات المتّحدة تريد “عملةً رقميّةً عالميةً… تحت سيطرتها” حيث تستعدّ واشنطن لإطلاق الدّولار الرقميّ الرّسميّ (CBDC) لكنّ نجاحه يتوقّف على أمرين منهما منع أيّ عملةٍ رقميةٍ بديلةٍ (صينية أو روسية أو إسلامية) من الانتشار، وتأديب كلّ من يحاول الاستقلال ماليّاً واقتصاديّاً.
ومن هنا، فإنّ الحرب على إيران تماماً كالحصار على روسيا والحروب بالوكالة في أفريقيا ليست إلا فصولاً في معركةٍ كبرى على من يطبع العملة التي تُدار بها الأرض.
إسرائيل في قلب المعركة رغم بعدها الظّاهري عن الشّقّ المالي، تلعب دورًا مركزيًا تُستخدم كنقطة ارتكازٍ لمراقبة ومنع تنامي النّفوذ الإيراني والشّرقي، تمثّل “الحارس الأمامي” للمصالح الغربية في الشّرق الأوسط، وتخشى أن يفلت الإقليم من منظومة الدّولار والهيمنة الأميركية، مما يعني خسارتها لأدوات تفوّقها الاستراتيجي.
ألحرب بين إيران وإسرائيل ليست مجرد اشتباكٍ في جنوب لبنان أو قصفٍ في سوريا كما يظنّ البعض أو تبادل صواريخ، إنّها معركةٌ على من يكتب النّظام العالميّ القادم…
هل تظلّ أميركا تطبع الدّولار وتفرضه على الجميع؟ أم أنّ الصّين، ومعها روسيا وإيران، ستُنجح نموذجاً مالياً بديلاً؟
وهل سنشهد عملةً رقميةً واحدةً تراقب كلّ معاملات البشر، أم تعدّديةً ماليّةً عالميّةً تفتح باباً لحرّياتٍ جديدة؟
إنّه صراعٌ على المستقبل… لكن ميدانه الآن في منطقتنا.