العسكريون المتقاعدون وأهل الجنوب… معركة واحدة

بقلم :  ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

في الجنوب، مواطنون يعيشون تحت القصف والخوف، وفي بيروت عسكريونخ متقاعدون يفترشون الشارع احتجاجًا على أوضاعهم المعيشية وما آلت إليه ظروفهم بعد سنوات من الخدمة. قد يبدو المشهدان مختلفين، لكن الحقيقة أن بينهما رابطًا واحدًا: مواطن لبناني يريد دولة تقوم بواجبها تجاهه، وتحفظ له أبسط مقومات الحياة.

العسكري المتقاعد لا يطلب امتيازًا؛ هو يطالب بما يستحقه بعد سنوات من الخدمة والتضحية. وأهل الجنوب لا يطلبون امتيازًا أيضًا؛ يريدون الأمن، والتعويض عن خسائرهم، والعودة إلى أرضهم، ودولة تقف إلى جانبهم في مواجهة العدوان.

لذلك، لا يجوز أن يتحول أصحاب المطالب إلى خصوم.

العسكري الذي ينزل إلى الشارع، والجنوبي الذي يصمد في أرضه، كلاهما في الخندق نفسه: خندق المواطن الذي يريد دولة عادلة.

المشكلة ليست في أن يطالب الناس بما يستحقون، بل في حكومة جعلت المواطنين يتصارعون على ما تبقى، بدل أن تؤمّن لهم الحد الأدنى من العيش اللائق عبر دولة قادرة وعادلة.

والأخطر أن يتحول الاحتجاج إلى قطع طرقات تعاقب مواطنين يعانون أصلًا من الغلاء والانهيار. لماذا نجعل الفقير يواجه الفقير، بينما يبقى المسؤول بعيدًا عن دائرة المحاسبة؟

ليست هذه معركة بين العسكريين المتقاعدين وأهل الجنوب، ولا بين طائفة وأخرى. إنها معركة المواطن اللبناني، بكل مناطقه وطوائفه، في وجه دولة فشلت في أداء أبسط واجباتها.

نريد للعسكري المتقاعد إنصافًا يليق بسنوات خدمته، ولأهل الجنوب أمانًا يعيدهم إلى بيوتهم وأرضهم، وللمواطن دولة تقف إلى جانبه بدل أن تتذكره فقط عندما تريد تحصيل الضرائب والرسوم.

فالعدالة لا تتجزأ، والواجب الوطني لا يخضع للطائفة أو المنطقة.

ولنسأل الحكومة بكل صراحة: ماذا قدّمتم للمواطن اللبناني خلال عهدكم، غير المزيد من الضرائب والرسوم، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وانهيار ما تبقّى من مؤسسات الدولة؟

ماذا تغيّر في حياة اللبناني؟ وأين هي الإنجازات التي يستطيع أن يلمسها في جيبه، ومستشفاه، ومدرسته، وكهربائه، وأمنه، ومستقبل أبنائه؟

إذا كانت النتيجة أن العسكري المتقاعد يُدفع إلى الشارع، والجنوبي يُترك في مواجهة القصف والنزوح، والمواطن يُثقل بأعباء جديدة، فعلى الحكومة أن تجيب: ما الذي بقي لها لتطلب من الناس المزيد من الصبر؟

يا أهل السلطة، كفى هروبًا من المسؤولية. أنتم من أوصلتم العسكري المتقاعد إلى الشارع، والجنوبي إلى النزوح، والمواطن إلى العوز والغلاء. فلا تحاولوا اليوم تحويل غضب الناس إلى معركة بين اللبنانيين.

المعركة الحقيقية ليست بين أبناء الوطن، بل مع سلطة فشلت في حماية مواطنيها وتأمين الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.

ومن هنا، فإن المطلوب تحرك شعبي لبناني موحّد، عابر للطوائف والمناطق والطبقات والمهن؛ يضم العسكري المتقاعد والموظف والعامل والمزارع والصناعي والتاجر والطالب والأستاذ والطبيب، ويجمع أبناء الجنوب وبيروت والبقاع والشمال والجبل، وكل من أنهكه الغلاء والضرائب وانهيار الدولة.

لكن هذا التحرك لا يجب أن يبقى مجرد تجمع للاحتجاج أو صرخة غضب في الشارع. المطلوب أن يتحول الوجع اللبناني إلى برنامج وطني موحّد، واضح المطالب، قابل للمحاسبة، لا يضع فئة في مواجهة أخرى، بل يجمع اللبنانيين حول حقوقهم الأساسية.

برنامج يبدأ بحماية القدرة الشرائية وتصحيح الأجور والمعاشات بما يتناسب مع كلفة المعيشة، وإنصاف العسكريين المتقاعدين، وحماية أموال المودعين، وتأمين الضمان الصحي والاجتماعي، وإصلاح الكهرباء والمياه والخدمات العامة، ودعم التعليم والاستشفاء، وحماية الفئات الأكثر تضررًا من الانهيار.

ويشمل أيضًا إعادة بناء اقتصاد منتج يخلق فرص العمل، ويدعم الزراعة والصناعة والمؤسسات الصغيرة، ويوقف سياسة تحميل المواطن وحده كلفة الانهيار من خلال الضرائب والرسوم، مع خطة مالية واقتصادية شفافة تعيد الثقة بالاقتصاد والدولة.

أما الجنوب، فلا يجوز أن يبقى ملفًا موسميًا يُستحضر عند كل تصعيد ثم يُترك أهله لمصيرهم. المطلوب حماية أهل الجنوب، وتأمين أمنهم وحقوقهم، وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار ما تهدّم، وضمان عودة الأهالي إلى قراهم ومنازلهم، ضمن دولة تتحمل مسؤوليتها عن حماية جميع مواطنيها وأراضيها.

ولا يمكن أن ينجح أي برنامج وطني من دون إصلاح الدولة نفسها: مكافحة الهدر والفساد، تعزيز استقلال القضاء، محاسبة المسؤولين عن سوء إدارة المال العام، وقف المحاصصة في مؤسسات الدولة، تعزيز الشفافية، ووضع المسؤول أمام المساءلة عندما يفشل في أداء واجبه.

 

نريد دولة تحمي، لا دولة تجبي.

نريد عدالة، لا محاصصة.

نريد اقتصادًا ينتج، لا اقتصادًا ينهار.

نريد حقوقًا، لا وعودًا.

ونريد مسؤولين يُحاسَبون، لا مواطنين يدفعون ثمن فشلهم.

 

تحرك لا يقطع الطريق على الناس، بل يفتح الطريق أمام التغيير؛ لا يواجه اللبناني باللبناني، بل يضع السلطة أمام شعب واحد ومطالب واضحة، من خلال الوسائل السلمية والديمقراطية والمؤسسات الدستورية والانتخابات.

فالعسكري المتقاعد لا يقف ضد الجنوبي، والجنوبي لا يقف ضد الموظف، والعامل لا يقف ضد المزارع. الجميع أمام المشكلة نفسها: دولة لم تعد تؤمّن للمواطن حقوقه الأساسية.

وعندما تتحول المطالب من شكاوى متفرقة إلى برنامج وطني جامع، يصبح اللبناني قادرًا على محاسبة السلطة على أساس ما تنجزه لا على أساس ما تعد به، وعلى أساس حقوق المواطنين لا على أساس الانتماءات الطائفية والمناطقية.

وعندها، لن يكون السؤال،كيف نُسكت الناس؟ بل كيف ستجيب السلطة أمام الناس؟

يا أهل السلطة، أنتم لم تعودوا أمام مواطنين متفرقين يمكن إلهاؤهم بوعود جديدة أو تقسيمهم بشعارات طائفية ومناطقية. أنتم أمام شعب تتراكم عليه الأزمات، ويعرف اليوم أن الضرائب والرسوم لا تبني دولة، وأن البيانات لا تطعم عائلة، وأن الوعود لا تعيد نازحًا إلى منزله ولا تنصف عسكريًا أفنى عمره في خدمة الوطن.

لقد استنفدتم رصيد الأعذار.

فإذا كنتم عاجزين عن حماية المواطن، وتأمين أبسط حقوقه، وإدارة الدولة، ووقف الانهيار، فالمشكلة لم تعد في صبر اللبنانيين، بل في أهليتكم للاستمرار في السلطة.

لبنان ليس ملكًا للحكومة، ولا للمسؤولين، ولا للأحزاب، ولا للطوائف. لبنان ملك مواطنيه.

ومن حق هذا الشعب أن يسأل، وأن يحتج، وأن يحاسب، وأن يرفض، وأن يطالب بالتغيير عبر الوسائل السلمية والديمقراطية.

إما دولة تحترم مواطنيها وتحمي حقوقهم، وإما أن يتحول هذا الغضب الوطني المتراكم إلى قوة شعبية سلمية تفرض المحاسبة والتغيير.

كفى ضرائب. كفى وعودًا. كفى تحميلًا للمواطن ثمن فشل السلطة.

فمن عجز عن حماية شعبه، ومن عجز عن إنصافه، ومن عجز عن إدارة دولته، لا يملك حق مطالبة هذا الشعب بالمزيد من الصمت.

اليوم، لم يعد المطلوب من اللبناني أن يصبر على السلطة؛ المطلوب من السلطة أن تثبت أنها تستحق ثقة اللبنانيين. وإلا فليكن الحكم للشعب، وليكن التغيير ديمقراطيًا وسلميًا، ولتسمع السلطة بوضوح: لقد بلغ السيل الزبى.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى