عندما يصبح العدو بطلاً… أيُّ وطنٍ يبقى؟

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

لا يبدأ سقوط الأوطان عندما تعجز الجيوش عن الدفاع عن الحدود، بل عندما يعجز المواطن عن التمييز بين خصومه السياسيين وعدو وطنه.

فالخلاف السياسي ظاهرة طبيعية في كل الديمقراطيات، وقد يشتد حتى يبلغ حد القطيعة. لكن هناك خطًا أحمر لا يجوز لأي مجتمع أن يتجاوزه: أن يتحول العدوان الخارجي إلى مناسبة للاحتفال، وأن يصبح قصف المدن وتدمير القرى وقتل أبناء الوطن سببًا للشماتة، فقط لأن الضحية تنتمي إلى فريق سياسي يختلف معه البعض.

في الأيام الماضية، تابع اللبنانيون الغارات والدمار وسقوط الضحايا، واختلفوا في تفسير الأسباب والمسؤوليات، وهذا حق مشروع. لكن ما لا يمكن اعتباره طبيعيًا هو أن يرى بعض اللبنانيين في الضربة الإسرائيلية انتصارًا، أو في موت مواطن لبناني عقابًا مستحقًا، أو في تدمير جزء من الوطن فرصة لتصفية حسابات داخلية.

من حق أي مواطن أن يعارض المقاومة، وأن يرفض قرار الحرب، وأن يطالب بحصر السلاح بيد الدولة. وهذا موقف سياسي مشروع يمكن مناقشته والدفاع عنه. لكن من حق الوطن أيضًا ألا يتحول هذا الخلاف إلى تبرير لعدوان خارجي أو إلى فرحٍ بمشهد الدمار.

فالعدو لا يصبح صديقًا لأن خصمك يختلف معك، ولا تتحول القنابل إلى أدوات عدالة لأنها سقطت على منطقة لا تؤيدها سياسيًا.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل لبناني نفسه به هو: إذا تبدلت الأسماء وبقي المشهد نفسه، هل سيتغير الموقف؟ فإذا كان المبدأ يتغير بتغير هوية الضحية أو الفاعل، فالمشكلة ليست في السياسة، بل في انهيار معيار العدالة ذاته.

التاريخ يعلمنا أن الحروب الأهلية لا تبدأ بالرصاص، بل تبدأ عندما يفقد الناس قدرتهم على رؤية الآخر مواطنًا. تبدأ حين يصبح الانتماء الحزبي أقوى من الانتماء الوطني، وحين يُختزل الإنسان في هويته السياسية، فيُحزن البعض لموت فريق، ويحتفل آخرون لموت فريق آخر.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

فالوطن ليس اتفاقًا على حزب واحد، ولا على مشروع سياسي واحد، بل هو اتفاق على أن حياة المواطن وكرامته لا تخضعان للاستفتاء، وأن سيادة الأرض ليست قضية انتقائية، وأن العدوان الخارجي يبقى عدوانًا مهما بلغت حدة الخلافات الداخلية.

لبنان لا يحتاج إلى شعبٍ يفكر بالطريقة نفسها، فهذا مستحيل. لكنه يحتاج إلى شعب يتفق على حقيقة واحدة: أن الدم اللبناني ليس مادةً للمزايدة، وأن الأرض اللبنانية ليست ساحةً لتشجيع انتصار الخارج على الداخل.

قد نختلف في الرأي، وقد نختلف في الخيارات، وقد نختلف في قراءة التاريخ والمستقبل، لكن إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها العدو بطلًا لأنه أصاب خصمنا، فاعلموا أن الأزمة لم تعد أزمة سياسة، بل أزمة هوية وطنية.

الغريب ليس أن يختلف اللبنانيون حول إيران، فهذا حقهم، بل أن يتحول رفض النفوذ الإيراني عند بعضهم إلى قبولٍ أو تبريرٍ لضربات إسرائيلية على أرض لبنان. فالسيادة لا تُجزَّأ، والعدوان لا يصبح مشروعًا لأن ضحيته خصمك السياسي. فمن يرفض وصاية دولة، عليه أن يرفض وصاية أي دولة أخرى، وإلا سقط مبدأ السيادة وتحول إلى مجرد شعار يُستخدم عند الحاجة

فالدول لا تنهار فقط عندما تُهزم جيوشها، بل عندما ينهزم ضميرها الجمعي، ويصبح انتصار العدو على جزء من الوطن انتصارًا في نظر جزء من أبنائه.

وعندما يصبح العدو بطلاً… لا يعود السؤال من انتصر في المعركة، بل: أيُّ وطنٍ بقي ليستحق الانتصار؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى