لبنان بعد الاتفاق… بين استحقاقات التنفيذ ومخاوف الانقسام الداخلي..

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
يدخل لبنان مرحلة سياسية تُعد من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، بعدما انتهت المفاوضات وتم التوقيع على الاتفاق، لينتقل المشهد من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، وهي مرحلة قد تكون أكثر تعقيداً من المفاوضات نفسها، نظراً لما تثيره من تحديات سياسية وأمنية ودستورية.
فقد أصبح واضحاً أن المنطقة تشهد إعادة رسم للتوازنات، وأن لبنان بات جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع تتجاوز حدوده. إلا أن نجاح أي اتفاق لن يُقاس بمجرد التوقيع عليه، بل بمدى احترام سيادة لبنان، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وتوفير الضمانات الكفيلة بمنع تكرار الاعتداءات وترسيخ استقرار دائم.
وفي المقابل، أعلنت بعض القوى اللبنانية رفضها للاتفاق، معتبرة أنه لا يحقق الضمانات الوطنية المطلوبة. وهذا الرفض يضع البلاد أمام مرحلة سياسية دقيقة، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على تنفيذ البنود المتفق عليها، بل أصبح يتعلق أيضاً بكيفية الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع انتقال الانقسام السياسي إلى أزمة داخلية.
ولا يقتصر القلق اليوم على مستقبل الاتفاق فحسب، بل يمتد إلى مستقبل الحكومة نفسها. فمع تصاعد الاعتراضات، تبرز مخاوف جدية من تحرك الشارع وتصاعد الضغوط السياسية للمطالبة بإسقاط الحكومة، الأمر الذي قد يدخل لبنان في أزمة دستورية وسياسية جديدة، في وقت يحتاج فيه أكثر من أي وقت مضى إلى الاستقرار وإلى معالجة الخلافات ضمن المؤسسات الدستورية، بعيداً عن أي توترات تهدد السلم الأهلي.
إن نجاح هذه المرحلة لا يرتبط بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بقدرة الدولة اللبنانية على حماية سيادتها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتعزيز مؤسساتها، والحفاظ على وحدة اللبنانيين في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
لقد انتهت المفاوضات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن. فإما أن تكون هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس المؤسسات والقانون، وإما أن تتحول إلى محطة جديدة من الانقسامات والصراعات التي يدفع اللبنانيون ثمنها منذ عقود.