لا، بَدّنا نروق… بَدّنا نِهدا شوي وعلى بعض نروق

بقلم : د. ليون سيوفي

باحث وكاتب سياسي

أعترف أنني أحب التحليل السياسي، وأستمتع بقراءة الأحداث وربط الوقائع ببعضها البعض، لأن السياسة بالنسبة لي ليست مجرد أخبار يومية، بل علم قائم بذاته، يجمع بين التاريخ والاقتصاد والجغرافيا والعلاقات الدولية وعلم النفس وموازين القوى.

لكن أكثر ما يثير الاستغراب في عالمنا العربي أن السياسة تحولت من علم معقد إلى هواية جماعية. فكل من أمسك هاتفاً، أو شاهد نشرة أخبار، أو أمضى ساعة على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح محللاً استراتيجياً وخبيراً في شؤون الدول الكبرى.

ومن حق الجميع أن يكون لهم رأي، فهذا حق طبيعي لا ينازعهم عليه أحد. لكن المشكلة تبدأ عندما يختلط الرأي بالعلم، والانطباع بالمعرفة، والتوقع بالحقيقة. فليس كل من عبّر عن رأيه أصبح مفكراً سياسياً، كما أن الحديث عن الطب لا يجعل الإنسان طبيباً، والحديث عن الهندسة لا يجعله مهندساً.

وأكثر ما يلفتني تلك العبارة الشهيرة التي يرددها البعض بثقة مطلقة: “إنت مش عارف شو عم بيصير!”

يقولها وكأنه خرج للتو من اجتماع مغلق بين رؤساء الدول، أو كأنه يحمل ملفاً سرياً لا يملكه أحد غيره. والحقيقة أن هذه العبارة تُستخدم أحياناً ليس لتقديم معلومة، بل لإرباك المستمع والتشكيك بما يعرفه، ولإعطاء انطباع بأن المتحدث يمتلك أسرار العالم وخفايا الأحداث.

وما إن تسأله: “طيب خبرنا شو عم بيصير؟” حتى يبدأ بسرد توقعات وفرضيات وروايات سمعها من هنا وهناك، وكأن القرار الدولي يُصنع في غرفة جلوسه، أو أن المشاريع السياسية الكبرى في الشرق الأوسط لا تُطبخ إلا بحضوره وموافقته.

والأغرب أن بعض هؤلاء يتحدثون عن ملفات تعجز أحياناً عن فهم كل أبعادها أكبر مراكز الدراسات والأبحاث في العالم، بينما هو يحسمها خلال دقائق معدودة وبثقة لا حدود لها. فتشعر وكأن هنري كيسنجر عاد إلى الحياة، أو أن هانس مورغنثاو يجلس أمامك يحتسي القهوة ويشرح لك أسرار النظام الدولي!

الحقيقة أن السياسة ليست لعبة تخمين، وليست مسابقة في الثرثرة، وليست استعراضاً للثقة بالنفس. السياسة علم يحتاج إلى معرفة ومتابعة وخبرة وقراءة مستمرة. وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تواضعاً، وكلما تعمق في فهم السياسة أدرك حجم تعقيداتها وتشابك مصالحها.

أما الذين يملكون إجابات جاهزة لكل شيء، ويعرفون كل شيء، ويتوقعون كل شيء، ويفسرون كل شيء، فغالباً ما يكونون أبعد الناس عن المعرفة الحقيقية، لأن أول شروط العلم الاعتراف بأن هناك دائماً ما لا نعرفه.

لذلك أقول للجميع: حلّلوا، ناقشوا، اختلفوا، وتبادلوا الآراء، فهذا حقكم الطبيعي. لكن لا تحولوا كل جلسة قهوة إلى مؤتمر دولي، ولا كل منشور على وسائل التواصل إلى نظرية سياسية عالمية، ولا كل توقع إلى حقيقة مطلقة.

فبعض التواضع في السياسة لا يضر، وبعض الهدوء في التحليل مفيد، وبعض الاعتراف بحدود المعرفة مطلوب.

لذلك… بَدّنا نروق، وبَدّنا نِهدا شوي وعلى بعض نروق.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى