وزارة التربية بين التحديات والرحمة المطلوبة

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي

ليست وزارة التربية مجرد إدارة رسمية تُعنى بالمدارس والامتحانات والمناهج، بل هي المؤسسة التي تُصنع فيها أجيال الوطن ومستقبله. فحين يضعف التعليم، يضعف معه الاقتصاد والإدارة والثقافة والقدرة على بناء الدولة، وحين ينهض التعليم تنهض معه الأمة بأكملها.

لقد عانى القطاع التربوي في لبنان خلال السنوات الماضية من أزمات متلاحقة، بدأت بالانهيار الاقتصادي، ولم تنتهِ عند حدود تراجع القدرة الشرائية للمعلمين والأساتذة، مروراً بالأوضاع الأمنية والضغوط النفسية التي أثقلت كاهل الطلاب وأهاليهم، وصولاً إلى اتساع الفجوة بين ما يحتاجه الطالب اللبناني وما يستطيع النظام التعليمي تقديمه في ظل الظروف الراهنة.

إن مسؤولية وزارة التربية اليوم لا تقتصر على إدارة العام الدراسي وإجراء الامتحانات الرسمية، بل تتعداها إلى حماية الطلاب ورعاية مصالحهم النفسية والتربوية والإنسانية. فالتعليم ليس أوراق امتحان فقط، بل هو عملية متكاملة تتطلب الاستقرار والأمان والقدرة على التركيز والتحصيل العلمي.

ومن هنا أتوجه إلى معالي وزيرة التربية بنداء صادق نابع من حرصي على أبنائنا الطلاب، راجياً منها أن تنظر بعين المسؤولية والرحمة إلى واقعهم الحقيقي، بعيداً عن النظريات والتقارير الإدارية الجافة.

فالسؤال الذي يطرحه آلاف الأهالي اليوم ليس فقط: هل يستطيع أبناؤنا التقدم إلى الامتحانات الرسمية؟

بل: هل أُتيحت لهم فعلاً الظروف الطبيعية التي تسمح لهم بالتعلم والمراجعة والتحضير؟

كيف يمكن لطالب يعيش حالة قلق يومية بسبب الأحداث والتوترات المحيطة أن يدرس بالتركيز نفسه الذي يحتاجه لاجتياز امتحان مصيري؟

وكيف يمكن مطالبة آلاف الطلاب بخوض امتحانات تحدد مستقبلهم فيما يعيش كثير منهم تحت ضغط نفسي وخوف دائم على أنفسهم وعائلاتهم ومستقبل وطنهم؟

إن المطلوب اليوم ليس فقط حماية الطلاب من أي أخطار أمنية محتملة، بل حمايتهم أيضاً من الظلم التربوي الذي قد ينتج عن إخضاعهم لامتحانات استثنائية في ظروف استثنائية.

فمن منا لا يتذكر كيف تحولت مدارس في مناطق النزاعات حول العالم إلى أهداف للحروب؟ ومن منا لا يتذكر مشاهد الأطفال الذين دفعوا أثماناً لا ذنب لهم فيها سوى أنهم أرادوا الذهاب إلى مدارسهم؟

إن حياة الطلاب وسلامتهم يجب أن تبقيا فوق كل اعتبار.

ولهذا، فإنني أطالب وزارة التربية بإعفاء الطلاب من الامتحانات الرسمية لهذه السنة، أو اعتماد آلية استثنائية عادلة لتقييمهم، تأخذ في الاعتبار الظروف القاسية التي عاشوها طوال الفترة الماضية.

إن هذا الطلب ليس دعوة إلى التهاون بالتعليم، ولا انتقاصاً من قيمة الشهادات الرسمية، بل هو دفاع عن مبدأ العدالة نفسه. فالعدالة لا تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها عندما تكون الظروف مختلفة، بل تعني اتخاذ القرار الذي يحفظ حقوق الطلاب ويمنحهم الفرصة التي يستحقونها.

إن الأوطان لا تخسر عندما تمنح أبناءها فرصة للنجاة من ظروف استثنائية، لكنها تخسر كثيراً عندما تتجاهل معاناتهم وتطالبهم بأداء طبيعي في ظروف غير طبيعية.

لذلك، فإن القرار الشجاع اليوم ليس الإصرار على إجراء الامتحانات مهما كانت الظروف، بل الإصغاء إلى أصوات الطلاب والأهالي، ووضع مصلحة الأبناء فوق أي اعتبار إداري أو شكلي.

فأبناؤنا ليسوا أرقاماً في لوائح الامتحانات، بل هم مستقبل لبنان وأمله. وحين يتعلق الأمر بمستقبلهم وسلامتهم وحقوقهم، فإن الرحمة والحكمة يجب أن تتقدما على كل ما عداهما.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى