
بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
لم يعد خوفي على المسيحيين في الشرق الأوسط نابعاً من حادثة عابرة، ولا من أزمة سياسية مؤقتة، بل من مسارٍ طويل تتكرر فيه الوقائع حتى تكاد تتحول إلى نمطٍ تاريخي. ففي كل حرب، وكل انهيار، وكل فراغ في الدولة، يكون المسيحيون من أكثر الفئات التي تدفع ثمن الهجرة وفقدان الأمل.
لقد كان المسيحيون من مؤسسي حضارة هذا الشرق، ومن بناة جامعاته ومستشفياته ومدارسه وصحافته ودوله الحديثة. ومع ذلك، فإن أعدادهم تتراجع بصورة مستمرة في أكثر من بلد، حتى بات الوجود المسيحي في بعض المناطق التي عاش فيها منذ ألفي عام مجرد ذكرى.
في العراق، تقلص الحضور المسيحي بصورة كبيرة بعد سنوات العنف وعدم الاستقرار. وفي سوريا، دفعت الحرب أعداداً كبيرة إلى النزوح والهجرة. أما في الأراضي الفلسطينية، فقد أدت عقود الصراع إلى تراجع أعداد المسيحيين في عدد من المدن التاريخية. هذه حقائق موثقة، وهي تدفع إلى التساؤل: هل يستطيع لبنان أن يبقى الاستثناء إذا استمرت أزماته من دون حلول؟
إن الخطر الذي أخشاه ليس بالضرورة وجود خطة معلنة لتهجير المسيحيين، بل أن تؤدي الحروب والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية والهجرة المستمرة إلى النتيجة نفسها، حتى من دون قرار أو إعلان. فالنتائج قد تكون واحدة، وإن اختلفت الأسباب.
ولعل ما يزيد من هذا القلق أن الذاكرة السياسية اللبنانية والعربية لا تزال تحتفظ بروايات تناقلها مسؤولون ومرجعيات عن طروحات دولية تناولت مستقبل المسيحيين في الشرق. ومن أبرز ما يُستشهد به ما نُسب إلى الرئيس سليمان فرنجية عن لقاء جمعه بوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر خلال الحرب اللبنانية، حيث قيل إنه طُرح نقل قسم من مسيحيي لبنان إلى كندا، وهو ما قوبل برفض قاطع. كما تُتداول روايات عن مواقف لمسؤولين غربيين في مراحل لاحقة، من بينهم الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، تناولت مستقبل المسيحيين في المنطقة خلال لقاءات مع مرجعيات كنسية. وبغض النظر عن اختلاف المؤرخين حول تفاصيل هذه الروايات، فإن الثابت أن هاجس تهجير المسيحيين لم يكن يوماً مجرد خيال سياسي، بل خوفاً رافق أجيالاً كاملة، ولا يزال يتجدد مع كل أزمة تضرب هذا الشرق.
لبنان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو آخر وطن في الشرق يقوم على شراكة تاريخية بين مكوناته، وفي مقدمها الشراكة الإسلامية–المسيحية. وإذا ضعفت هذه الشراكة بفعل الهجرة المستمرة، فإن لبنان نفسه سيفقد جزءاً أساسياً من هويته ورسالة التعددية التي تميزه.
إن الدفاع عن الوجود المسيحي لا يكون بخطابات الخوف أو الانغلاق، بل بقيام دولة سيدة، عادلة، قوية، تحتكر السلاح، وتطبق القانون على الجميع، وتعيد الثقة بالمستقبل، لأن الإنسان لا يترك وطنه عندما يشعر بأن له فيه كرامة ومستقبلاً.
إن الحفاظ على المسيحيين في الشرق ليس مسؤولية المسيحيين وحدهم، بل مسؤولية جميع أبناء المنطقة، كما أنه مسؤولية المجتمع الدولي الذي كثيراً ما يتحدث عن حماية التنوع الثقافي والديني، فيما يبقى هذا التنوع مهدداً بفعل الحروب والانهيارات والهجرة.
أكتب هذه الكلمات لأنني أخشى أن يأتي يوم يصبح فيه الوجود المسيحي في الشرق مجرد مادة في كتب التاريخ، وأن تتحول الكنائس التي صمدت قروناً إلى معالم أثرية يزورها السياح أكثر مما يصلي فيها المؤمنون.
لا أريد لهذا الخوف أن يتحول إلى حقيقة. لذلك، فإن إنقاذ الإنسان في أرضه، وبناء الدولة، وإعادة الاعتبار للسيادة والعدالة والاقتصاد، ليست مطالب سياسية فحسب، بل هي أيضاً شرط لبقاء لبنان، وبقاء رسالته، وبقاء جميع أبنائه على هذه الأرض.
فإذا استمر نزيف الهجرة، واستمر عجز الدولة، واستمرت المنطقة في إنتاج الحروب بدل إنتاج السلام، فقد لا يكون السؤال بعد سنوات: كم بقي من المسيحيين في الشرق؟ بل سيكون السؤال الأكثر إيلاماً: كيف سمح العالم بأن يختفي أحد أقدم مكوّناته الحضارية والإنسانية أمام عينيه؟
“إن أخطر عملية تطهير يشهدها الشرق اليوم ليست بالسلاح، بل بالهجرة؛ فهي تفرغ الأرض من أهلها من دون أن يسمع العالم طلقة واحدة.”