حين تعجز السياسة… هل يتقدّم العسكر لإنقاذ لبنان؟

د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
في الدول التي تنهار فيها السياسة، يبدأ الناس بالبحث عن “القوة” بدل “الدستور”. وعندما تفقد الدولة هيبتها، ويتحوّل الفساد إلى نظام حكم، يصبح السؤال عن “العسكر” سؤالاً يتكرّر في الشارع أكثر ممّا يُقال في العلن.
وفي لبنان، كلّما اشتدّ الانهيار السياسي والاقتصادي، وتراجعت ثقة المواطنين بالطبقة الحاكمة، يعود الحديث عن الانقلاب العسكري كحلٍّ أخير لإنقاذ الدولة. ويعتقد كثيرون أنّ المؤسسة العسكرية قد تكون الجهة الوحيدة القادرة على فرض النظام، واستعادة هيبة الدولة، ووضع حدّ لسنوات طويلة من التعطيل والانقسامات والمحاصصة.
فالمواطن الذي يفقد ثقته بالقضاء والسياسة والاقتصاد، يبدأ تلقائياً بالبحث عن أي مؤسسة ما زالت تبدو متماسكة… وغالباً ما تكون المؤسسة العسكرية. ومن هنا، تتحوّل فكرة “الحكم العسكري” لدى بعض الناس من مجرّد طرح سياسي إلى تعبيرٍ عن اليأس والغضب وفقدان الأمل بإمكانية الإصلاح من داخل النظام نفسه.
لكنّ تاريخ لبنان يُظهر أنّ الانقلاب العسكري ليس أمراً سهلاً، ولا يشبه ما حدث في دول أخرى. فلبنان شهد أكثر من محاولة انقلاب، أبرزها محاولة الحزب السوري القومي الاجتماعي عام 1961، ثم تحرّك العميد عزيز الأحدب عام 1976 خلال الحرب الأهلية، إلا أنّ جميعها فشلت سريعاً، ولم يتمكّن أي طرف من السيطرة الكاملة على الدولة أو فرض حكم عسكري مستقر.
والسبب لا يعود فقط إلى قوة النظام، بل إلى طبيعة لبنان نفسها. فالدولة اللبنانية قائمة على توازنات طائفية وسياسية شديدة الحساسية، وأي انقلاب قد يتحوّل خلال ساعات إلى صدام داخلي واسع، خصوصاً في ظل وجود قوى سياسية ومسلّحة متعددة، إضافة إلى التأثيرات الإقليمية والدولية التي تجعل أي تغيير بالقوة أمراً بالغ التعقيد.
كما أنّ الجيش اللبناني تاريخياً لم يُبنَ على عقيدة الحكم السياسي، بل على محاولة حماية وحدة المؤسسة ومنع انقسامها. ولذلك بقي هاجس القيادات العسكرية دائماً الحفاظ على الجيش كآخر مؤسسة جامعة للبنانيين، لا تحويله إلى طرف في صراع على السلطة أو أداة لحكم البلاد بالقوة.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ الدعوات إلى “حكم عسكري” تعبّر عن غضب حقيقي لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يشعرون أنّ النظام الحالي عاجز عن إصلاح نفسه، وأنّ الدولة تُدار بعقلية المحاصصة لا بعقلية المؤسسات، فيما يزداد الانهيار المالي والاجتماعي يوماً بعد يوم.
لكنّ التجارب حول العالم تُظهر أيضاً أنّ الانقلابات قد تُسقط سلطة، لكنها لا تبني بالضرورة دولة عادلة أو مستقرة. ففي كثير من البلدان، تحوّل الحكم العسكري إلى أزمات أكبر، وقمع سياسي، وانقسامات طويلة الأمد، وفقدان للحريات، من دون معالجة حقيقية لجذور الفساد أو الفشل الإداري.
لذلك، يبقى التحدّي الحقيقي في لبنان ليس في استبدال السياسي بالعسكري، بل في كيفية بناء دولة قوية قادرة على فرض القانون، واستعادة المؤسسات، ومحاربة الفساد، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، من دون دفع البلاد نحو الفوضى أو الحرب الداخلية من جديد.
الخطر الحقيقي ليس فقط في الانقلاب العسكري، بل في الوصول إلى مرحلة يصبح فيها الشعب مستعداً لتقبّل أي بديل، فقط لأنّه فقد الأمل بكل شيء آخر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم:
هل ما زال بالإمكان إصلاح النظام من الداخل، أم أنّ حجم الانهيار جعل الناس تبحث عن أي قوة قادرة على وقف سقوط الوطن… مهما كان الثمن؟