لبنان ، العقوبات تُصدر… والفساد يضحك..

بقلم : د. ليون سيوفي
باحث وكاتب سياسي
العقوبات الأميركية في لبنان تُثير جدلاً واسعاً لأنّ الناس تقارن دائماً بين “الهدف المُعلن” و”النتيجة الفعلية”.
فالولايات المتحدة تقول إنّ العقوبات تُفرض لمحاربة الفساد، أو لمنع تمويل جماعات مسلّحة، أو لحماية الاستقرار، لكنّ المواطن اللبناني يسأل بعد سنوات طويلة: ماذا تغيّر فعلاً؟
عندما تُعاقَب شخصية سياسية أو مصرفية أو أمنية، يُفترض نظرياً أن يؤدي ذلك إلى إضعاف نفوذها، أو كشف فسادها، أو منعها من الحركة المالية. لكن ما حدث في لبنان غالباً كان مختلفاً. فبعض الشخصيات التي فُرضت عليها العقوبات بقيت في مواقعها السياسية، وبعضها ازداد شعبيته داخل بيئته، لأنّ جزءاً من الناس اعتبر العقوبات “استهدافاً سياسياً” لا حكماً قضائياً عادلاً.
وهنا تبدأ المشكلة الأساسية.
العقوبات ليست محكمة دولية، ولا حكماً قضائياً نهائياً، بل قرار سياسي تتخذه دولة وفق مصالحها وأمنها القومي. لذلك لا ينظر إليها الجميع كحقيقة مطلقة، بل كأداة نفوذ وضغط.
في لبنان تحديداً، الناس ترى تناقضات كبيرة:
هناك سياسيون متهمون بالفساد منذ عقود ولم تشملهم أي عقوبات.
وهناك أطراف عوقبت بسرعة لأنّها تتعارض مع السياسات الأميركية.
وهناك دول ارتكبت حروباً ودماراً ولم تواجه الضغوط نفسها.
وآخر فصول هذا المشهد كان إعلان العقوبات الجديدة على تسعة أشخاص في لبنان، في خطوةٍ أثارت ضجة سياسية وإعلامية واسعة. لكنّ السؤال الذي طرحه اللبنانيون فوراً لم يكن: “من عوقب؟”، بل: “هل سيتغيّر شيء فعلاً؟”.
فالتجارب السابقة جعلت قسماً كبيراً من الناس يعتقد أنّ إضافة أسماء جديدة إلى لوائح العقوبات لا تعني بالضرورة محاربة الفساد أو إنقاذ الدولة، بل قد تتحوّل مع الوقت إلى مجرّد أرقامٍ جديدة في نشرات الأخبار، فيما يبقى الواقع اللبناني غارقاً في الأزمات نفسها والانهيار نفسه..
هذا التفاوت خلق شعوراً بأنّ العقوبات تُستخدم بانتقائية، أي بحسب المصالح لا بحسب مبدأ ثابت. ولذلك فقدت هيبتها عند قسم كبير من الرأي العام.
كما أنّ تأثير العقوبات في لبنان غالباً يكون غير مباشر على الشعب أكثر من السياسيين أنفسهم.
فحين يُعاقَب مصرف أو قطاع أو شخصية مالية، تتأثر الثقة بالبلد كله، ويهرب المستثمرون، وتتراجع العلاقات الاقتصادية، بينما السياسي قد يجد طرقاً بديلة للالتفاف على العقوبات أو الاستمرار عبر شبكات محلية وإقليمية.
والأهم أنّ اللبنانيين عاشوا سنوات من الانهيار:
* الليرة انهارت،
* المصارف سقطت،
* الفساد استمر،
* الكهرباء لم تُحل،
* والدولة بقيت مشلولة.
لذلك يسأل المواطن البسيط، إذا كانت العقوبات تهدف فعلاً إلى الإصلاح، فلماذا لم نرَ دولةً أفضل؟ ولماذا بقي معظم المسؤولين أنفسهم في المشهد؟
من هنا، يعتبر كثيرون أنّ العقوبات أصبحت أقرب إلى “رسائل سياسية وإعلامية” منها إلى حلول حقيقية. فهي تُحدث ضجة كبيرة في الإعلام، لكنها لا تُنتج دائماً تغييراً جذرياً على الأرض.
وفي المقابل، هناك من يدافع عنها ويقول إنّها على الأقل:
تمنع بعض الشخصيات من استخدام النظام المالي العالمي،
تقيّد حركة الأموال،
تُحرج المتهمين دولياً،
وتُظهر أنّ هناك مراقبة خارجية لما يجري.
لكن حتى هؤلاء يعترفون أنّ العقوبات وحدها لا تبني دولة، ولا تُصلح نظاماً، ولا تُسقط طبقة سياسية متجذّرة منذ عشرات السنين.
وفي النهاية، السياسة الدولية ليست عملاً خيرياً، بل شبكة مصالح وتحالفات وقوة.
ولهذا يرى كثير من اللبنانيين أنّ العقوبات الأميركية ليست دائماً معياراً للحق والباطل، بل أداة من أدوات النفوذ في صراعٍ دولي وإقليمي أكبر من لبنان نفسه..
وفي كل مرة، يخرج علينا محلّلون ليشرحوا أنّ “هذه العقوبات ستغيّر المعادلة”، ثم تمرّ الأشهر والسنوات، فلا تتغيّر إلا أسماء البيانات والتصريحات، بينما يبقى المشهد اللبناني كما هو:
الفساد نفسه،
الوجوه نفسها،
الانهيار نفسه،
والشعب نفسه يصفّق أحياناً لمن عوقب وكأنّه حقّق انتصاراً عالمياً..