د سهر الكومي تكتب : الحرمان عند النرجسي الخفي

في عالم الاضطرابات الشخصية يظهر النرجسي الخفي كشخصية معقدة لا تملك ضجيج النرجسي الظاهر ولا استعراضه الصارخ بل ترتدي قناع الضحية والهدوء والمثالية
ومن أخطر أدواته في الصمت صفة البخل والشح التي يستخدمها كاستراتيجية للسيطرة وتحطيم روح الضحية
البخل المادي عنده ليس توفيرا بل وسيلة سلطة
ينفق بسخاء على نفسه وعلى أهله وعلى الصورة التي يريد تصديرها للمجتمع من تبرعات وهدايا للأغراب ومناسبات اجتماعية لكنها دائما لغرض المصلحة لا الكرم
أما مع أهل بيته وزوجته تحديدا تتحول الميزانية إلى ساحة حرب
يستخدم المال للثواب والعقاب يمنحه ليشعر بالأفضلية ويمنعه ليشعر الطرف الآخر بالذل والاحتياج
هذا الشح يبقي الضحية في حالة استجداء دائم للحقوق الأساسية ويمنح النرجسي شعورا زائفا بالعظمة والأهمية
أما الشح العاطفي فهو التجويع المتعمد للروح
يمارس ما يسميه علم النفس الحجب العاطفي يعرف تماما حاجتك للكلمة الطيبة وللتشجيع ولمجرد التأكيد على وجودك لكنه يختار الصمت
الصمت العقابي من أهم سماته قد يمتد زعله لشهور وسنين يبدأ بأيام ليختبر رد فعلك ثم يضاعف المدة حتى يجوعك عاطفيا ونفسيا وجسديا وماديا ومعنويا حتى ترضى بفتات الخبز
بهذه الممارسة يتحكم في هرمونات جسمك فيرفع الكورتيزول الذي يضعك في حالة طوارئ دائمة فتعيش على قشر بيض تخاف أن تغضبه
النتيجة أمراض الضغط والسكري والقولون والحساسية والقلب والذاكرة والاكتئاب وآلام الجسد
وبعد أن يصل بك لأقصى مشاعر الغضب والعصف الانفعالي يرمي لك فتات الخبز فيرفعك لسابع سماء ويرفع عندك الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين فتدمن العلاقة رغم الإساءة
من علامات شحه أنه في لحظات نجاحك يبخل بالتهنئة ويقابل إنجازك ببرود يطفئ بهجتك أو يشك في استحقاقك ويقلل منك
وفي لحظات ضعفك يمنع عنك التعاطف مدعيا الواقعية أو أنك تبالغ ليتركك وحيدا مع ألمك
يتقن فن التجاهل ليهز ثقتك بنفسك ويشعرك بأنك غير مرئي حتى تعود له رغم قسوته
عندها يقلب الطاولة ويجعلك أنت المخطئ المجنون ويستخدم جلد ذاتك وإحساسك بالذنب كورقة ضغط ليردك إليه في حلقة مفرغة من السخن والبارد
يمتد شحه إلى المعلومة والوقت فيبخل بالوضوح ولا يخبرك بخططه ويتركك في حالة تخمين وقلق
ويجلس معك ساعات جسده حاضر وروحه غائبة ليجعلك تشعر بأنك غير جدير بالاهتمام
جذور هذا الشح أن العطاء عنده خسارة وأي شيء يمنحه للآخر انتقاص من رصيده
يعاني من فقر داخلي مدقع ويرى العالم مكانا محدود الموارد فيتمسك بكل شيء بشراسة ليعوض نقصه
التعافي يبدأ بالوعي أنك لست السبب بل اضطرابه وطفولته القاسية وتربيته وهشاشته الداخلية
هو يصدر صورة الجبروت ليخفي طفلا سجينا عاش التهميش والتحقير
التعامل معه يحتاج إدراكا أن كرمك لن يغير بخله ومحاولاتك لن تفتح خزائنه المغلقة
ابحث عن استقلال مادي وعاطفي بعيد عنه
توقف عن توقع العطاء منه فالتوقع وقود خيبة الأمل
احط نفسك بدعم أسري وأصدقاء ومختص نفسي فما يقهر النرجسي إلا أن يراك محاطا بالمحبين
ضع حدودا آمنة ولا تتنازل عنها مهما ضغط لكسرها
اشتغل على نفسك ومواهبك وطريقتك في الكلام واللبس والتفكير فكلما نجحت قهرت من لا يريد إلا أن يراك مذلولا
اكتب مشاعرك وسمها واحترمها فخروج النرجسي من حياتك أشبه باستئصال ورم خبيث
اشكر الله على المحنة التي في باطنها منحة واشكر قدرتك على اجتياز الألم والخذلان
تقبل وارض واسع للنجاة ولا تستسلم
الشفاء يبدأ حين تتوقف عن محاولة ملء بئر لا قاع له وتبدأ في الاستثمار في نفسك التي جفت لسنوات
هناك علاقات مؤذية لا نستطيع فكها لأنها من الأقربين فعلينا أن نرضى ونتعايش ونتكيف ونتقبل ونعاملهم لله ونصبر ونحتسب مع حماية أنفسنا بالتعافي لنستطيع أن نعيش