خالد رويحة : حين تشتبك العواصم تحت سقف واحد: العالم يدخل غرفة العمليات الكبرى

ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كأزمة ملفات منفصلة، ولا كتصعيد تقليدي بين قوى متقابلة. نحن أمام لحظة انتقال خطيرة: العالم لا يتفاوض على اتفاقات.. بل يعيد تعريف نفسه من جديد تحت ضغط الردع والاقتصاد والسلاح والهيمنة.

المشهد الأمريكي يظهر من الداخل كمحاولة تفادي الانفجار أكثر من كونه إدارة حرب. واشنطن تتحرك بين خيارين: الاستمرار في دعم المواجهات بالوكالة، أو القفز التدريجي من حافة الاستنزاف. في الخلفية، تتراكم ملفات ثقيلة: الخليج، إيران، إسرائيل، وأسواق الطاقة التي لم تعد تفصل بين السياسة والاقتصاد.

واشنطن تدرك أن أي مواجهة واسعة في الشرق الأوسط لم تعد “حرب إقليم”، بل اختبار مباشر لبنية النظام المالي العالمي نفسه: النفط، البترودولار، سلاسل الإمداد، والكابلات البحرية التي أصبحت جزءًا من معادلة الردع.

في المقابل، إيران لم تعد تتحرك داخل مربع الدفاع الكلاسيكي. ما يظهر من بنية التحصين، وإعادة توزيع القدرات، وتعدد طبقات الردع، يوحي بأن طهران تنتقل من “الاستنزاف” إلى “إطالة النفس الاستراتيجي”، حيث لا تكون الضربة هي النهاية، بل بداية تشظي في مسرح العمليات.

الأهم هنا ليس حجم السلاح، بل طريقة امتصاص الضربة وتحويلها إلى عامل ارتداد. وهنا تتحول المعركة من ميدان عسكري إلى هندسة معقدة للتمويه، وإعادة التموضع، وتفكيك بنك الأهداف.

إسرائيل في هذا المشهد لا تقف كفاعل مستقل بالكامل، بل كطرف يعيش ضغطًا مزدوجًا: رغبة في الحسم العسكري، مقابل اعتماد استراتيجي عميق على الغطاء الأمريكي. ومع تزايد التوتر داخل هذا الغطاء، يبدأ سؤال صامت بالظهور: من يقود من في هذه المعادلة؟

نتنياهو يبدو في موقع من يبحث عن تصعيد يضمن له استمرار المعادلة، بينما واشنطن تميل إلى إدارة التوتر لا تفجيره. هذا التناقض هو أحد أخطر خطوط الصدع داخل المعسكر الغربي نفسه.

في الجهة الأخرى من الجغرافيا، تتشكل معادلة أكثر هدوءًا في الشكل، لكنها أعنف في المضمون: روسيا والصين تتحركان نحو تثبيت بنية ردع غير مباشرة، لا تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على خلق بيئة تمنع الانفراد الأمريكي بالقرار العالمي.

من المناورات النووية إلى التحركات الاستراتيجية في محيط أوروبا الشرقية، يتضح أن مفهوم الردع لم يعد مرتبطًا بميدان واحد، بل أصبح شبكة ممتدة يمكن تفعيلها عند أي نقطة اشتعال.

أوروبا هنا ليست خارج المشهد، بل داخل منطقة الاهتزاز. القارة التي بنت سرديتها على حقوق الإنسان والقانون الدولي تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب: كيف توازن بين التزاماتها الأخلاقية وتحالفاتها العسكرية؟ كل أزمة في الشرق الأوسط تتحول تلقائيًا إلى ضغط داخلي داخل العواصم الأوروبية.

في الخلفية الأعمق، يتحول البحر والبر والفضاء السيبراني إلى مسارح متداخلة: مضائق بحرية، كابلات اتصال، ممرات طاقة، وحروب اقتصادية غير معلنة. لم يعد هناك فصل بين الجبهة العسكرية والجبهة الاقتصادية؛ كل شيء أصبح جزءًا من نفس غرفة العمليات.

لبنان في هذا السياق يظهر كنقطة حساسة لا يمكن فصلها عن التوازن الإقليمي. ليس فقط كساحة اشتباك محتملة، بل كنموذج لصراع أعمق بين مشروعين: مشروع ضغط وتحويل البيئة، ومشروع مقاومة يقوم على توازن الردع المحلي. وهنا يصبح الاقتصاد والإعمار ليسا أدوات إنقاذ فقط، بل أدوات تأثير استراتيجي طويل المدى.

الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد ليست أن الحرب قادمة حتمًا، بل أن مفهوم “السلام المستقر” نفسه يتآكل تدريجيًا. ما يتشكل هو حالة وسطية دائمة: لا حرب شاملة ولا استقرار حقيقي، بل إدارة توتر مفتوح على احتمالات متعددة.

العالم لا يتجه إلى انفجار واحد كبير، بل إلى سلسلة تفجيرات محسوبة تُعيد توزيع القوة خطوة خطوة، حتى تتشكل خريطة جديدة لا أحد يملكها بالكامل، بل الجميع يحاول التعايش معها بالقوة أو بالضرورة.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، لا أحد يقود المشهد منفردًا.. الجميع داخل المشهد نفسه.

https://t.me/khaledrowiha

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى